بسم الله الرحمن الرحيم
قناة روش
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
تفسير قوله تعالى:(( أفرأيتم اللات والعزى ))
الشيخ عبد القادر شيبة الحمد

قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ﴾ [النجم: 19 - 25].


المناسبة:

لما قَرَّرَ الرسالة، وذَكَرَ عظمةَ الله وقدرتَه الباهرةَ التي تقضي بالتوحيدِ، وتمنعُ عن الشرك بالله تعالى، وَقَفَهُم على حقارةِ معبوداتهم.



القراءة:

قرأ الجمهورُ (اللات) بتخفيف التاء، وقرئ بتشديدها، وقرأ الجمهور (مناة)، وقرئ (مناءة)؛ بالمد والهمزة، وقرأ الجمهور (ضيزى) بكسر الضاد من غير همز، وقرئ (ضئزى) بالهمز، كما قرئ (ضيزى) بفتح الضاد وسكون الياء، وقرأ الجمهور (إن يتبعون) بالياء، وقرئ (إن تتبعون) بالتاء.



المفردات:

(اللات) صنمٌ بالطائفِ أو بنخلة عندَ سوقِ عكاظ، قال ابن عباس: كَانَ رَجُلاً يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاج فمات فعكفوا على قبره، وقد كان لثقيف، وفيه يقول الشاعر:

وَفَرَّتْ ثَقِيفٌ إِلَى لَاتِهَا *** بِمُنْقَلِبِ الْخَائِبِ الْخَاسِرِ



قيل أصلها: من لَتَّ السويق، وهذا ظاهر على قراءة التشديد، ولا مانع منه على قراءة التخفيف أيضًا، وقيل: هي مشتقة من لوى يلوي؛ لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتوون؛ أي: يعتكفون عليها، وأصلها: لوية فأَلِفُها منقلبة عن واو، والتاء فيها زائدة، وقد حذفت لامها.



(العُزَّى) تأنيت الأعز يعني: الأغلب، وهي صنمٌ لغطفان كانوا يعبدونها، وهي سمرة بوادي نخلة فوق ذات عرق، وقد بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بن الوليد عامَ الفتح فهدمَها، وهو يقول:

يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ *** إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ



(مناة) صنم كانت بالمشلل، وهو موضع جهة البحر من قديد المعروف بين مكة والمدينة، وكانت تعبدها غسَّان، والأوس والخزرج، وكان من أهلَّ لها لم يَطُفْ بين الصفا والمروة، وهي على قراءة الجمهور مشتقة من: مَنَى يَمْنَى إذا أراقَ وصبَّ؛ لأن دماءَ النسائِكِ كانت تُراق عندها، ووزنها (فَعَلَة)، وأما على قراءة المد والهمزة (مناءة) فقيل: مشتقة من النوء؛ لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركًا بها، ووزنها (مَفْعَلَة) فألفها منقلبة عن واو، وهمزتها أصلية وميمها زائدة، (ضيزى) جائرة من ضازه يضيزه إذا ضامه.



قال الشاعر:

ضازَتْ بنو أَسْدٍ بحُكْمِهِمُ *** إِذْ يَجْعلونَ الرأسَ كالذَّنَبِ

وقيل: عوجاء، وقيل: ناقصة.



قال أبو عبيدة: تقول: ضأزته حقه أي: نقصته، وأنشد الأخفش:

فَإِنْ تَنْأَ عَنْهَا تَقْتَضِيكَ وَإِنْ تَغِبْ *** فَسَهْمُكَ مَضْؤُوزٌ وَأَنْفُكَ رَاغِمُ



قيل: أصلها على وزن: حُبْلَى وأُنْثَى، فكُسرت فاء الكلمة؛ لتصح الياء، وهذا مبني على ادعاء سيبويه أنه لا يوجد (فِعْلَى) بكسر الفاء في الصفات، وأثبت ثعلب وغيره وجودها، فحَكَى: مِشْية حِيكَى، بكسر الحاء؛ أي: فيها تبختر واختيال، وبعضهم يحكيها: مِشية حَيَكَى كجَمَزَى، ومَن قرأ بالهمز أو بالفتح فهي لغات في ضيزى كما في القاموس، (سلطان) برهان، (الظن) الخاطر الشيطاني، (تهوى) تحب، (الهدى) البيان الشافي بالكتاب المنزل والنبي المرسل، (تمنى) اشتهى، (الأولى) الدنيا.



التراكيب:

قوله: (أفرأيتم اللات) الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف يقتضيه السياق، ورأى بصرية، واللات مفعولها، وقيل: عِلْمِية ومفعولها الثاني محذوف لدلالة الحال عليه، تقديره: بنات لله أو شركاء لله تعالى، وقال أبو حيان: هو قوله: (ألكم الذكر وله الأنثى)، ولم يعد ضمير من جملة الاستفهام على اللات والعزى ومناة؛ لأنَّ قوله: (وله الأنثى) في معنى وله هذه الإناث، فإنهم كانوا يقولون في هذه الأصنام: هي بنات الله، و(أل) في اللات والعزى زائدة، فإن كانا علمين بالوضع فهي لازمة، وإن كانا علمين بالغلبة وأصلُهما وصفان، فـ(أل) غير لازمة، وهي للمح الصفة، ووصف مناة بالأخرى تهكم بها؛ لأنها بمعنى المتأخرة الوضيعة المقدار، والإشارة في قوله: (تلك إذًا قسمة ضيزى) إلى القسمة المفهومة من الجملة الاستفهامية، وقوله: (إذًا)؛ أي: إذ جعلتم البنات له، والبنين لكم، وقوله: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) إن بمعنى ما، و(هي) عائد على الأصنام المذكورة التي اتخذوها آلهة.



وقوله: (سميتموها) صفة لأسماء، والضمير المنصوب فيها للأسماء لا للأصنام، يعني هي أسماءٌ جعلتموها، لا حقيقة لها في استحقاق العبادة، كما في قوله ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ [يوسف: 40]، والهاء هي المفعول الثاني، والأول محذوف تقديره: أصنامًا تعبدونها، وقوله: (أنتم) تأكيد للواو لأجل التوصل لعطف (وآباؤكم) عليها، قال ابن مالك:

وإنْ على ضَمِيرِ رفعٍ مُتَّصلْ *** عطفتَ فافْصِلْ بالضَّمير المُنفَصِلْ



وقوله: (إن يتبعون) على قراءة الجمهور فيه التفاتٌ إلى الغيبة للإيذان بأن تَعَدُّدَ قبائحِهم اقتَضَى الإعراضَ عنهم، وقوله: (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) يجوز أن تكون الجملةُ حالية مِن فاعل يتبعون، ويجوز أن يكونَ اعتراضًا بين قوله: (وما تهوى الأنفس).



وقوله: (أم للإنسان ما تمنى) (أم) منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الإنكار، والإضراب فيه للانتقال عن اتباعِهم التوهم الباطل إلى إنكار ما هو أفحش منه، وهو أن يكون لهم ما يتمنونه مِن شفاعة آلهتهم، وقوله: (فلله الآخرة والأولى) تعليلٌ لانتفاء أن يكون للإنسان ما يتمناه حتمًا.



المعنى الإجمالي:

ألكم أعين فأبصرتم هذه الأصنام الحقيرة؟ وإنه لشيءٌ منكرٌ أن تجعلوا لله الإناث ولكم الذكور، مع أنه إذا بُشِّر أحدُكم بالأنثى ظلَّ وجهُهُ مسودًّا وهو كظيم! فهذه قسمة جائرة، ما هذه المذكورات من الأصنام إلا أسماء جعلتموها أنتم، وهي لا حقيقةَ لها في استحقاق العبادة.



ما تنقادون إلا للخاطرِ الشيطاني وما تشتهيه أنفسكم، ولقد أتاكم من سيدكم ومالككم ومدبر أموركم البيانُ الشافي بالكتاب المنزل والنبي المرسل، فكيف تتركون داعيَ الحقِّ، وتنقادون لخاطر الشيطان؟! بل ننكر أن يكون للإنسان ما يشتهيه؛ لأن أمرَ الدنيا والآخرة لله عز وجل، فهو مالك الملك يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء وبيده الخير.



ما ترشد إليه الآيات:

1- تحقيرُ الأصنامِ وعابديها.

2- بيانُ جورِ الكفارِ وسخافةِ عقولهم.

3- هذه المعبوداتُ أسماءٌ لا حقيقةَ لها.

4- انقيادُ الكفارِ للخاطرِ الشيطاني دونَ الحقِّ الرباني.

5- أمرُ الدنيا والآخرة بِيَدِ الله.

.alukah
§§§§§§§§§§§§§§§§§§§