۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ*ْمَةِ اللَّهِ ۚ
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ (53)


۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّ*ْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ (53)
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ. روايات منها: ما رواه م*مد بن إس*اق عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال:

لما اجتمعنا على الهجرة. تواعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السّهمى وعيّاش بن أبى ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بنى غفار- أى: غدير بنى غفار- وقلنا: من تأخر منا فقد *بس فليمض صا*به فأصب*ت أنا وعياش بن عتبة، و*بس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتتن، فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله- عز وجل- وآمنوا برسوله صلّى الله عليه وسلم، ثم افتتنوا لبلاء ل*قهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم- أيضا- يقولون هذا في أنفسهم.
فأنزل الله- عز وجل- في كتابه:

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.. إلى قوله- تعالى- أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.
_قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثتها إلى هشام.

_قال هشام: فلما قدمت على خرجت بها إلى ذي طوى فقلت: اللهم فهمنيها، فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فل*قت برسول الله صلّى الله عليه وسلم .
والأمر في قوله- تعالى-:

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَ*ْمَةِ اللَّهِ موجه إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم وإضافة العباد إلى الله- تعالى- للتشريف والتكريم.
والإسراف: تجاوز ال*د في كل شيء، وأشهر ما يكون استعمالا في الإنفاق، كما في قوله- تعالى-: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا.
والمراد بالإسراف هنا: الإسراف في اقتراف المعاصي والسيئات، والخطاب للمؤمنين المذنبين. وعدى الفعل «أسرفوا» بعلى، لتضمنه معنى الجناية، أى جنوا على أنفسهم.
والقنوط: اليأس، وفعله من بابى ضرب وتعب. يقال: فلان قانط من ال*صول على هذا الشيء، أى يائس من ذلك ولا أمل له في ت*قيق ما يريده.
والمعنى:

قل- أيها الرسول الكريم- لعبادي المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم بارتكابهم للمعاصي،
قل لهم: لا تيأسوا من ر*مة الله- تعالى- ومن مغفرته لكم.
وجملة «إن الله يغفر الذنوب جميعا» تعليلية. أى:

لا تيأسوا من ر*مة الله- تعالى- لأنه هو الذي تفضل بم*و الذنوب جميعها.
لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة.
_إِنَّهُ- سب*انه- هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ أى: هو الواسع المغفرة والر*مة لمن يشاء من عباده المؤمنين، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل- سب*انه- توبتهم كما وعد تفضلا منه وكرما، وإن ماتوا دون أن يتوبوا، فهم ت*ت ر*مته ومشيئته، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه.
أما غير المؤمنين، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا في الإسلام، غفر- سب*انه- ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجبّ ما قبله.
وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله- تعالى- لهم، لقوله:

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
قال الإمام الشوكانى:

_واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله، لاشتمالها على أعظم بشارة،
فإنه أولا: أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم.
ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي..
ثم عقب على ذلك بالنهى عن القنوط من الر*مة..
ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ..
فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك.
ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله جَمِيعاً فيا لها من بشارة ترتا* لها النفوس.. وما أ*سن تعليل هذا الكلام بقوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ.. .
وقال الجمل في *اشيته ما ملخصه: وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء *سنة،منها إقباله عليهم، ونداؤهم، ومنها: إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، في قوله: مِنْ رَ*ْمَةِ اللَّهِ، ومنها: إضافة الر*مة لأجل أسمائه ال*سنى، ومنها: إعادة الظاهر بلفظه في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ومنها: إبراز الجملة من قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ مؤكدة بإن، والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الجملة السابقة.

وقال عبد الله بن مسعود وغيره: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى .







تفسير الطنطاوى




المصدر: منتدى عدلات - من قسم: القرآن الكريم




المصدر (منتدى عدلات) https://vb.3dlat.com