بسم الله الرحمن الرحيم
قناة روش
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-
(( الإحكام في أحكام سجود السّهو ))
إعداد: اللجنة العلمية بالملتقى الفقهي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعدُ،

فمن أجل توضيح الأحكام الفقهيّة المتعلّقة بسجود السّهو، رأينا من الضروريّ في البدء: أن نتعرّف على "الهيئة الإجماليّة للصلاة الشرعيّة"، التي رأينا أنّها تتكون من ركعةٍ أو أكثر، وأنّ كلّ ركعةٍ تتكون من حركتين عامّتين، كلٌّ منهما يتكون من ثلاثة أركان:

فالحركة الأولى: حركة قيامٍ ثم ركوعٍ ثم قيام.

والحركة الثانية: حركة سجودٍ ثم جلوسٍ ثم سجود.

فإذا كانت الركعة ختاميّةً، انضافت إليها حركة فرعية، وهي حركة الجلوس الأخير، الذي يتعضد بالتشهد.

ورأينا أنّ كلّ ركنٍ من هذه الأركان، قد يتعضد بركنٍ آخر (مثلما يتعضد ركن القيام بركني تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة)، أو تتعلق به واحدةٌ أو أكثر من الواجبات (كما يتعلق بركن الركوعِ واجبُ قول: "سبحان ربّي العظيم") أو السنن (كما يتعلّق بحال الركوع، سنةُ أن يضع المصلي يديه عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الأَصَابِع).

يقول ابن عثيمين: (والأَولى لطالب العِلْم: أن يتصوَّر هيئةَ الصَّلاةِ كاملة، حتى يتبيَّن له ما هو الرُّكن، وما هو الواجب، وما هي السُّنَّة)[1].

بناءً على هذه المعرفة، سنتقدم بإذن الله خطوةً إلى الأمام، من أجل إحكام الأحكام المتعلقة بسجود السّهو في الصّلاة:

فبدءاً: ما هو سجود السّهو؟

سجود السّهو، أي: السجود الذي سببُه السّهوُ في الصّلاة.

(والسّهوُ هو ذهول القلب عن شيءٍ معلومٍ من قبل، وهو عبارةٌ عن النسيان)[2]، فالسّهو في الصلاة: أنّ المصلي يكون عالماً من قبلُ بأركانها وواجباتها وسننها، وكونها تؤدّى بترتيبٍ معيّن، لكنّه أثناء الصلاة يُذهل عن ذلك، فيُخِلُّ بواحدٍ أو أكثر من أركانها أو واجباتها أو سننها.

وعند وجود هذا الإخلال، فيجبُ أو يُسنُّ للمصلي أن يسجد سجود السهو، والمقصود به: سجدتان يسجدهما المصلّي، في ختام صلاته، قبل السّلام أو بعده، وذلك لجبر ما حدث فيها من إخلالٍ بسبب السّهو، لا عمداً.

فهذا هو سجود السهو.

ما هي صور السّهو في الصّلاة؟

للسّهو في الصّلاة ثلاث صور:

1/ أن يزيد المصلي، على الهيئة الإجمالية الظاهرة للصلاة الشرعية، قولاً أو فعلاً لا يكون من أركانها أو واجباتها أو سننها، أي: زيادة قوليّةً أو فعليّةً، ليست من جنس الصّلاة.

2/ أن يزيد المصلي، على الهيئة الإجمالية الظاهرة للصلاة الشرعية، قولاً أو فعلاً يكون من أركانها أو واجباتها أو سننها، أي: زيادة قوليّة أو فعليّة من جنس الصّلاة.

3/ أن يُنقص المصلي، من الهيئة الإجمالية الظاهرة للصلاة الشرعية، قولاً أو فعلاً يكون من أركانها أو واجباتها أو سننها.

أحكام الصورة الأولى من صور السهو في الصّلاة:

وهذه الصورة تتفرَّع بدورها إلى صورتين:

أ: زيادة قولٍ ليس من جنس الصّلاة.

ب: زيادة فعلٍ ليس من جنس الصّلاة.

أ: زيادة قولٍ ليس من جنس الصلاة:

من رحمة الله عزّ وجلّ: أن جعل الصَّلاة صلةً بينه وبين عباده، يُتيح لهم بها أن يدرُجوا في مدارج العبوديّة، وذلك عطاءٌ إلهيٌّ كبير، بل هو أعظم نعم الله -عزّ وجلّ- على عباده، فمن الحريّ بالمسلم أن يُقدّر هذه النعمة العظيمة حقّ قدرها، وأساس ذلك: أن يلتزم بالهيئة الشرعية الظاهرة للصّلاة، وأن يجتهد في التزام الخشوع والخضوع والإخبات فيها، وفي ذلك يقول الله تعالى: {حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ} [البقرة: 238]، أي: (مطيعين لله، خاشعين ذليلين)[3].

وفي سبب نزول هذه الآية، أخرج الشيخان عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: «إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ»[4].

وقال الرّسول -صلى الله عليه وسلم- لمعاوية بن الحكم: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»[5].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قَالَ: (كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا [أي من الحبشة] سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلاَةِ لَشُغْلًا»[6].

وبذلك لم يعد جائزاً الكلام العمد في الصلاة، حتّى إذا دعت الضرورة إليه، اكتُفي بدلاً عنه بالتسبيح والتصفيق، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا نَابَ أحدكُمْ شيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ»[7].

حكم كلام العالم العامد في الصلاة:

في معرض كلامه، عن التّروك الَّتِي هِيَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، يقول العلامة ابن رشد: (وَأَمَّا التُّرُوكُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مِنْهَا قَوْلًا، وَمِنْهَا فِعْلًا). ثم قال: (وَأَمَّا الْأَقْوَالُ)، أي: (الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّلَاةِ)، فـ (لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وَلِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِي أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَمِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»[8])[9].

قال ابن عبد البر: (وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ)[10].

قال الإمام النووي بعد أن ذكر حديث معاوية بن الحكم: (فِيهِ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَنْبِيهٍ أَوْ إِذْنٍ لِدَاخِلٍ وَنَحْوِهِ: سَبَّحَ إِنْ كَانَ رَجُلًا، وَصَفَّقَتْ إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً). ثم قال: (هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَالْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ)، قال: (وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَامِدِ الْعَالِمِ) [11]. ويؤكده قول ابن المنذر: (وأجمعوا على أنَّ من تكلم في صلاته عامداً، وهو لا يُريد إصلاح شيء من أمرها: أنَّ صلاته فاسدة)[12].

قال الأمير الصنعاني: (وَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الصَّلَاحِيَةِ: عَدَمُ صِحَّتِهَا، وَمِنْ الْكَلَامِ: مُكَالَمَةُ النَّاسِ وَمُخَاطَبَتُهُمْ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ السَّبَبِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَةَ فِي الصَّلَاةِ تُبْطِلُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا)[13].

قال الإمام النوويّ: (وَقَالَ طَائِفَةٌ -مِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ-: يَجُوزُ الْكَلَامُ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لحديث ذي اليدين)[14].

قال ابن عبد البر: (وَكَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهْمٌ وَخَطَأٌ لَيْسَ بِصَوَابٍ)[15].

حكم كلام النّاسي:

(أَمَّا النَّاسِي فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِالْكَلَامِ الْقَلِيلِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَالْكُوفِيُّونَ: تَبْطُلُ. دَلِيلُنَا: حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ، فَإِنْ كَثُرَ كَلَامُ الناس فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا، أَصَحُّهُمَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ) [16].

حكم كلام الجاهل:

قال: (وَأَمَّا كَلَامُ الْجَاهِلِ إِذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ كَكَلَامِ النَّاسِي فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِقَلِيلِهِ، لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَكِنْ عَلَّمَهُ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ)[17].

قال الأمير الصنعاني: (وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ الْجَاهِلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَأَنَّهُ مَعْذُورٌ لِجَهْلِهِ؛ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ "مُعَاوِيَةَ" بِالْإِعَادَةِ)[18].

خلاصة القول:

أنّ العلماء مجمعون على بطلان صلاة من تكلم عامداً، بكلامٍ ليس من جنس الصلاة، يقول ابن رشد: (إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: إِذَا تَكَلَّمَ سَاهِيًا، وَالْآخَرُ إِذَا تَكَلَّمَ عَامِدًا لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ. وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ: مَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ لِإِحْيَاءِ نَفْسٍ أَوْ لِأَمْرٍ كَبِيرٍ، فَإِنَّهُ يَبْنِي.

وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّ التَّكَلُّمَ عَمْدًا عَلَى جِهَةِ الْإِصْلَاحِ لَا يُفْسِدُهَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسِدُهَا التَّكَلُّمُ كَيْفَ كَانَ إِلَّا مَعَ النِّسْيَانِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُفْسِدُهَا التَّكَلُّمُ كَيْفَ كَانَ)[19].

سبب الخلاف:

يقول ابن رشد:

(وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ:

-الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْكَلَامِ عَلَى الْعُمُومِ.

-وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ».

ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَكَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ، وَأَنَّهُمْ بَنَوْا بَعْدَ التَّكَلُّمِ، وَلَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ التَّكَلُّمُ صَلَاتَهُمْ.

فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا الظَّاهِرِ، وَرَأَى أَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَخُصُّ الْكَلَامَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ اسْتَثْنَى هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.

وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَمْدًا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ، وَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَمَّتْ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ تَكَلَّمُوا بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ» قَالَ: إِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ إِجَازَةُ الْكَلَامِ لِغَيْرِ الْعَامِدِ.

فَإِذَنْ: السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ، هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَمَدَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَصْلًا عَامًّا، وَهُوَ قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ».

وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَحَمَلَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَلَى عُمُومِهَا، وَرَأَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا)[20].

ختاماً للكلام فيما يتعلق بأحكام الزيادة القولية للصلاة، نقول:

في البدء كان مُباحاً انتهاكُ حرمة الصلاة، ببعض ما هو ضروريٌّ من حاجات الناس العاديّة، ثم ورد الشرع بتحريم ذلك، فصارت الصلاةُ حجراً محجوراً وحرماً مقدّساً لا يُنتهك. ولكن عندئذٍ يثور التساؤل عمّا إذا كان من الممكن استثناء حالتين:

1/ حالة الضرورة، سواء كانت ضرورةً لإصلاح الصلاة (مذهب مالك) أو لدفع خطرٍ (مذهب الأوزاعي).

2/ حالة العذر العام بالخطأ والاستكراه والنسيان (مذهب الشافعي).

أي: هل يجوز في هاتين الحالتين، إذا انقطعت الصلاة: أن يبني المصلّي ما تبقى من صلاته، على ما سبق منها، استدلالاً بحديث ذي اليدين؟

أم يُقال: إنّ المضطر والمعذور، فقط لا يأثمان بقطعهما الصلاةَ بهذه الأقاويل الخارجة عنها، لكنّهما يُعيدان صلاتهما؟

أم يُميز في الحالتين، بين القول القليل والقول الكثير؟

هذه الأسئلة تظل مطروحةً، لكن يبقى أنها تتعلق بأحوالٍ قليلةٍ نادرة، وتبقى القاعدة العامة حاكمةً في الغالب من الأحوال: أنّ كلّ قولٍ ليس من جنس الصلاة، فإنّه يُبطلها.

هذا فيما يتعلّق بالأحكام المتعلقة بزيادة قولٍ ليس من جنس الصلاة فيها، أمّا فيما يتعلّق بزيادة فعلٍ ليس من جنس الصّلاة فيها، فذلك ما سوف نتطرق إليه في الحلقة القادمة بإذن الله.
********
المراجع

[1] الشرح الممتع على زاد المستقنع (3/ 291).

[2] الدروس الفقهيّة من المحاضرات الجامعية، لابن عثيمين، (1/376).

[3] التفسير الميسر (1/ 39).

[4] رواه البخاري (1200) ومسلم (539).

[5] صحيح مسلم (537).

[6] صحيح البخاري (1216).

[7] رواه البخاري (684) ومسلم (421).

[8] رواه أحمد (4417) وأبو داود (924) وحسنه الألباني.

[9] بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/ 126).

[10] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (1/353).

[11] شرح النووي على مسلم (5/ 21).

[12] الإجماع لابن المنذر (ص: 39).

[13] سبل السلام (1/207).

[14] شرح النووي على مسلم (5/21).

[15] الاستذكار (1/ 503).

[16] شرح النووي على مسلم (5/21).

[17] شرح النووي على مسلم (5/21).

[18] (سبل السلام (1/207).

[19] بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/ 127).

[20] بداية المجتهد ونهاية المقتصد
(1/ 128).