السلام عليكم و ر*مة الله تعالى و بركاته

اليكم فيما يلي : الغزوات والفتو*ات والانتصارات في شهر رمضان 2019


يشهد التاريخ الإسلامي أنَّ أغلب الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون في شهر رمضان كانت تُكلَّل بالفوز والانتصار، من هنا *رص الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن تكون أغلبُ غزواته في شهر رمضان؛ تقربًا إلى الله - عزَّ وجلَّ - وإرشادًا للمسلمين إلى سبيل الاسـتعداد لا*تمال الشـدائد في الجهاد، وهنا تجتمع - لدى المجاهد الصائم - مجاهـدةُ النفس ومجاهدةُ الأعداء؛ فإنِ انتصر ت*قَّق له انتصاران: هما الانتصار على هوى النفس، والانتصار على أعداء الله، وإذا استُشْهِد لقِيَ الله - سب*انه وتعالى - وهو صائم، وت*قَّق فيه قولُ الله - تبارك وتعالى -: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111].



كمنطلق: إن التفسير الإسلامي للتاريخ منبثقٌ من تصوُّر الإسلام للكون، وال*ياة، والإنسان، فهو يقوم على الإيمان بالله - تعالى - وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر؛ خيره وشره، من الله - تعالى - فهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، كما أنه مبنيٌّ على دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يجعل *ركةَ التاريخ الإسلاميِّ ذاتَ طابع متميز عن *ركة التاريخ الإسلامي العالمي لأثر الو*ي الإلهـي فيه [1] .



وفي هذه المداخلة لن تكون سردًا لتفاصيل الغزوات التي سجَّلها التاريخ الإسلامي خلال شهر رمضان - هذا ي*تاج إلى دراسات متفرقة - بل سنقف عند أهم الم*طات والدوافع الم*ركة والعبر المستخلصة.



وإليك - أخي القارئ الكريم - أهمَّ الغزوات التي سجَّلها التاريخ الإسلاميُّ خلال شهر رمضان المبارك:

1- غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة


في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك، وفي السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة، دارت رَ*َى معركة فاصلة بين الإسلام والكفر، بين الإيمان والطغيان، بين *زب الله و*زب الشيطان، تلكم هي غزوة بدر الكبرى.



إنها موقعةٌ فاصلةٌ في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ البشرية كلِّها إلى يوم الدين، إنها معركة الفرقان؛ {إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41].

وهذه الموقعة شكَّلت م*طةً بارزةً في ردِّ العدوان الشركيِّ؛ إذ مكث النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بضِعَ عَشْرةَ سنةً ينذر بالدعوة من غير قتال، صابرًا على شدة إيذاء العرب بمكة المكرمة، واليهود بالمدينة المنورة، فكان يأتيه أص*ابُه ما بين مضروب ومجرو*، يشكون إليه *الهم، ويطلبون منه السما* لرد العدوان بالمثل، فيقول لهم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اصبروا لأنيِّ لم أُؤمرْ بالقتال))، *تى إن بعض أص*ابه قُتِل من جراء العذاب؛ منهم: سميَّة أمُّ عمار بن ياسر، وزوجُها ياسر، عذَّبهما المغيرة على إسلامهما؛ ليرجعا عنه، وماتا ت*ت العذاب[2].



والغزوة ليست للاعتداء والظلم، كما هو ديْدَنُ الدول الباغية الظالمة المستكبرة في الأرض، بل وسيلةٌ لدفع العدوان؛ وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله - سب*انه وتعالى -: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ *َقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [ال*ج: آية 39-40].



أضفْ إلى ذلك ما مُني به المسلمون من الظلم والاعتداء، وما أُكرِهوا عليه من الإخراج من الديار والأوطان بغير *ق؛ ويقول الله - سب*انه وتعالى -: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء: آية 75]، وتلبيةً للنداء الرباني، وسعيًا للقضاء على الظلم بأنواعه؛ خرج ال*بيبُ المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومعه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً؛ لاعتراض قافلة تجارية قادمة من الشام، فيها أموال عظيمة لقريش، يقودها أبو سفيان بن *رب، فلما عَلِم أبو سفيان بخُطَّة المسلمين ان*از بالقافلة، ولَ*ِق بسا*ل الب*ر، واستنفر قريشًا للدفاع عن تجارتهم وأموالهم، فخرجوا في ألف شخص مزهوّين بقوتهم وعتادهم، يعلنون الت*دي والطغيان؛ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُ*ِيطٌ} [الأنفال: 47]، فالتقى الجيشان صبي*ةَ يوم السبت السابع عشر من شهر رمضان، في منطقة "بدر" بين مكة والمدينة؛ {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا * لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَ*ْيَا مَنْ *َيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42 – 43].



وكان المسلمون - لضعفهم وقلة عتادهم - يودُّون الظفر بالقافلة، ولا يتمنون لقاء الجيش المكي؛ {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِ*ْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُ*ِقَّ الْ*َقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7]، وعندما بدأت المعركة، و*َمِيَ وطيسُها، واشتد أُوارها، واشتعلت نارها، أيَّد الله - سب*انه وتعالى - أهلَ ال*ق بملائكة السماء؛ {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9]، بل وقاتلتِ الملائكة مع المؤمنين؛ {إِذْ يُو*ِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]، إنها ليست بطولاتٍ أرضيةً م*ضة، بل هي مؤيَّدةٌ من قِبَل الله - جلَّ وعلا - تستمد قوَّتَها من خلال دعائه، والاستغاثة به، واللجوء إليه، والتوكل عليه، فيمُدُّ أص*ابَها بتأييده ونصره؛ قال - تعالى -: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [م*مد: 7].



فكانت النتيجة هزيمةً سا*قة وقعتْ على الظلم والشرك وأهله، وأعوانه ومؤيديه، وتمخِّضتْ عن هلاك عدد كبير من فراعنة قريش وصناديدها.



دروس وعبر:

إن دعوة الإسلام اليوم تُواجه ظروفَ المسلمين الذين خاضوا معركة بدر، فنصرهم الله وأعزَّهم، وجدير بنا أن نتلمسَ العبرَ والعِظَاتِ من هذه الغزوة المباركة؛ لتكون لنا نِبراسًا وهاديًا، ون*ن نخوض معركتنا مع أعداء الله - عزَّ وجلَّ - وتَظهر للمتأمل جملةٌ من ال*قائق التي تنير الطريق:
أ- إن الدعواتِ الأرضيةَ لن تُجمِّعَ الأمة، ولن تُنشئَ قاعدةً صُلبة ت*فظ الأمة، وتُعيد لها كرامتها، فلا اللغة، ولا القومية، ولا الأنساب، أغنتْ يوم بدر؛ بل العقيدة الإسلامية.
ب- إن النصر ليس بالعدد الكثير ولا بالسلا* الوفير، إنه مقرون بالإخلاص في العمل، وجميل التوكل على الله.
ج- إن النصر في "بدر" لم يكن لفئة خاصة أو دولة معينة، بل لعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
د- على المسلم ألاَّ يستعجل النتائج، ولا يطلب منه سوى القيام بالواجب: (الإخلاص في العمل، الاستعداد، العدة العسكرية، ...).

2- "فت* مكة" في السنة الثامنة من الهجرة
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْ*ُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّ*ْ بِ*َمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: ١ - ٣]

ورد في تفسير هذه السورة الكريمة أن المراد بالنصر: العون، وأما الفت*، فهو فت* مكة، كما قال مجاهد، ونقل ال*افظ عبدالر*من بن الجوزي في تفسيره عن ال*سن - رضي الله عنه - قال: "لمَّا فت* رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكَّةَ، قالت العرب: أما إذا ظفر م*مد بأهل ال*رم، وقد أجارهم الله من أص*اب الفيل، فليس لكم به يدان – أي: طاقة - فدخلوا في دين الله أفواجًا".



إن فت* مكة في الثالث والعشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة شكَّل الآية العظمى على مدى الأخلاقية النبوية الإنسانية التي التزم بها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - مقدمًا أرفع نموذج للتسام* والتواضع والسموِّ الذي عرفته البشرية عبر تاريخها.



وعندما هاجر لُو*ق ورُصدتْ الأموال الطائلة لمن يغتاله، بعد أن فشلت مؤامرة قتله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في داخل مكة، ثم - أخيرًا - الأعوام الثمانية التي قضاها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مكة، وهم يلا*قونه ويتربصون بكل أص*ابه، ولا تمرُّ الأيام أو الأسابيع إلاَّ وهم متآمرون عليه مع اليهود أو المنافقين، أو مُوعِزون لبعض القبائل بترويعه في المدينة والسطو على مسار* المسلمين التي تسر* فيها دوابهم، أو مقاتلون له مباشرة طورًا ثالثًا.



وها هي السنوات الطوال قد مضت، وها هو أنبل الناس وأزكى الناس، الذي *ورب واضطُهِد يعود فات*ًا لبلده، أَجَل، بلده مكة التي أُخرج منها وهو يذرف الدمع ويقول: ((والله إنك لأ*ب بلاد الله إليَّ، ولولا أنَّ أهلَكِ أخرجوني منك ما خرجْتُ)).



المشهد المؤثر بعد معركة الفت*:
بينما - صلَّى الله عليه وسلَّم - يخفق قلبه بأروع المشاعر؛ لأنه في طريقه إلى المسجد ال*رام والكعبة، وقد فعل ما أراد، واستلم ال*جر الأسود، طاف بالبيت، ولم يكن م*ْرمًا، وهو يتلو قول الله – تعالى -: {وَقُلْ جَاءَ الْ*َقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، ثم دخل إلى جوف الكعبة، فأزال آثار الوثنية من داخلها، كما أزالها من خارجها، ثم دار في البيت يُو*ِّد الله ويُكبِّره، وكل ذلك وهم ينظرون إليه، إنهم في وادٍ بعيد عنه، إنه في الآخرة، في الملأ الأعلى، أما هم فيفكرون هَلِعين فيما ينتظرهم، متذكرين ماضيهم الأسود معه.



ونظر - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى آلاف الوجوه التي فعلت به الأفاعيل طِيلَة عقدين من الزمان، بعد أن دخل مكة من أعلاها، من كداء، وهو يضع رأسه - وهو راكب - على دابَّته، تكاد تلامس رأسه ظهر الدابة؛ تخشُّعًا وخضوعًا لله، وهم ينتظرون القضاء العادل، لكنهم مع ذلك كانوا يعرفون أن م*مدًا هو م*مد رسول الر*مة؛ لأنه الرسول الأخلاقي الذي وصفه ربُّه بالخلق العظيم؛ {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، إنه لن يعاملهم بالعدل، فلو عاملهم بالعدل لانتهى كل شيء، ثم فاجأهم النبيُّ الأعظم بالسؤال: ((يا معشرَ قريش، ما تظنون أنِّي فاعلٌ بكم؟))، وكأنما كان السؤال نفسه طوق نجاة لهم، فسرعان ما أجابوه قائلين: خيرًا، أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم، قال: ((فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]، اذهبوا، فأنتم الطلقاء)).



ثم تتوالى آيـات عظمته، وعندما كانت الجيوش الإسلامية تز*ف على مكة في ظل أوامر صـارمة بعدم إراقة الدماء إلاَّ في الدفاع عن النفس - أخطأ أ*د القادة - وهو الرجل العظيم سعد بن عبادة - فقال: اليوم يوم المل*مة، اليوم يذلُّ الله قريشًا، فانتُزِعتْ منه الراية - بأمر الرسول - وأعطيت لابنه قيس، وصَ*َّ* الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - العبارة *تى لا تذهب إلى الناس وتُروِّعهم قائلاً: ((اليوم يوم المر*مة، اليوم يُعزُّ الله قريشًا))، وقد صدق؛ فلولاه ولولا دخول مكة في الإسلام لما كانت لمكة قيمة، ولَمَا كان لقريش قيمة أبدًا.

3- معركة "*طين" واسترداد بيت المقدس
بين المسلمين بقيادة صلا* الدين، وبين الصليبين


قام المجاهد "عماد الدين زنكي" - ر*مه الله - بعد قتال عنيف مع ال*اميات الصليبية باستعادة بعض المدن والإمارات؛ من أبرزها: إمارة "الرها" عام 1144م، وواصل خَلَفُه "نور الدين م*مود" - ر*مه الله - التصدي للفرنجة؛ فمَدَّ نفوذَه إلى دمشق عام 1154م، واستكمل القائد المجاهد "صلا* الدين الأيوبي" - ر*مه الله -[3] تلك الانتصارات فكانت معركة *طين الشهيرة التي استُرِدَّ بعدها بيت المقدس عام (583هـ - 1187م).



وكان صلا* الدين الأيوبي يعلم علم اليقين أن النصارى الصليبيين ليسوا من السهولة أبدًا؛ ولذلك سارع إلى إدخال إصلا*ات جذرية في الجهاد، وكان يطبق قول الله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]؛ ولذلك هيَّأه الله - سب*انه وتعالى - لترتيب صفوف المسلمين، وفي تخطيطه - ر*مه الله - لإعداد الأمة للجهاد، لم يكن الرجل يُعِدُّ نفسَه وأهلَ بيته فقط، ولا المدن التي كانت *وله فقط، كان يُعدُّ الأمة الإسلامية قاطبةً ل*رب الصليبيين. وابتدأت المسألة من جوانب الاقتصاد، وإعداد السلا*، والجند والجيوش، والدواوين والأسل*ة، والمؤن والذخائر والعتاد، والخطط ال*ربية، وسنأتي على كل شيء بلم*ات تُبيِّن عِظَمَ تلك العقلية التي قيَّضها [أي: هيَّأها وسبَّبها] الله - سب*انه وتعالى.



فعلاً، كانت معركة *طين تمهيدًا لدخول صلا* الدين - ر*مه الله - إلى بيت المقدس، وتم بفضل الله نصر الله المبين *يث التقتْ جيوش المسلمين بجيوش الصليبيين في "*طين"، وكان ذلك في عام 583هـ - 1187م.



لقد جمع الصليبيون عشرين ألف مقاتل، جمعوهم من كل دويلات الصليبيين واشتبك الجيشان، وانجلت المعركة عن نصر سا*ق لصلا* الدين مع تدمير تام لجيش أعدائه، لم يكن أمام جيش صلا* الدين بعد معركة *طين إلاَّ أن يتقدم ن*و القدس، وقبل أن يتقدَّم ن*وها استسلم له *صن "طبرية"، وفت* "عكَّا"، واستولى على "الناصرية"، و"قيسارية"، و"*يفا"، و"صيدا"، و"بيروت"، وبعدها اتَّجه صلا* الدين إلى القدس.



استرداد القدس:

ولكن الصليبيين ت*صَّنوا بداخلها، فاتَّخذ صلا* الدين "جبل الزيتون" مركزًا لجيوشه، ورمى أسوار المدينة بال*جارة عن طريق المجانيق التي أمامها، ففرَّ المدافعون، وتقدَّم المسلمون ينقبون الأسوار، فاستسلم الفرنجة، وطلبوا الصل*، فقبل صلا* الدين، واتفق الطرفان على أن يخرج الفرنجة سالمين من المدينة على أن يدفع الرجل عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والصبي دينارين، ووفَّى المسلمون لهم بهذا الوعد، وكان ضمن من خرجوا "البطريرك الأكبر" ي*مل أموال البِيَع (الكنائس)، وذخائر المساجد التي كان الصليبيون قد غنموها في فتو*اتهم.

المشهد المؤثِّر بعد المعركة:

يمكن استخلاصُ عِبَرًا كثيرة في سياق موقعة "*طين" الشهيرة، لكنَّ المشهد الذي استوقفني:

ر*مة صلا* الدين:

"ويُروى أن مجموعةً من النبيلات والأميرات قلْنَ لصلا* الدين - وهنَّ يغادرْنَ بيت المقدس -: "أيُّها السلطان، لقد مننْتَ علينا بال*ياة، ولكن كيف نعيش وأزواجنا وأولادنا في أسرك؟! وإذا كنا ندع هذه البلاد إلى الأبد، فمَن سيكون معنا من الرجال لل*ماية والسعي والمعاش؟! أيُّها السلطان، هَبْ لنا أزواجنا وأولادنا؛ فإنك إن لم تفعلْ أسلمْتنا للعار والجوع"، فتأثر صلا* الدين بذلك، فوهب لهنَّ رجالهن".





مَلَكْنَا هَذِهِ الدُّنْيَا قُرُونا وَأَخْضَعَهَا جُدُودٌ خَالِدُونَا
وَسَطَّرْنَا صَ*َائِفَ مِنْ ضِيَاءٍ فَمَا نَسِيَ الزَّمَانُ وَلَا نَسِينَا


ر*مك الله يا صلا* الدين، فقد كنت مثالاً للر*مة والعفو و*سن الخلق، وكنت مثالاً *سنًا لمبادئ ال*ضارة الإسلامية وعظمة الإسلام، وانظروا إلى ال*ضارة الغربية التي تأتي على الأخضر واليابس في العراق وأفغانستان، بل انظروا إلى ما تصنعه الآلة العسكرية الصهيونية في فلسطين، لا تفرق بين المدنيين والعسكريين؛ بل تستهدف *تى الرضَّع، إنها ثقافة الجبناء!





4- معركة "عين جالوت"
*يث انتصر المسلمين على التتار، بين المسلمين بقيادة "سيف الدين قطز" والمُغُول
في عهد الدولة المملوكية استطاع "سيف الدين قطز" و"الظاهر بيبرس" صدَّ الغزو المغُولي الذي اجتا* أجزاءً واسعةً من العالم الإسلامي في معركة "عين جالوت" قرب الناصرة في عام 1259م، فكانت وا*دةً من أهم وأشهر المعارك الإسلامية.



الخروج إلى القتال:

في (شهر رمضان 658هـ = أغسطس 1260م) خرج "قطز" من مصر على رأس الجيوش المصرية، ومَن انضمَّ إليه من الجنود الشاميين وغيرهم، وترك نائبًا عنه في مصر هو الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، وأمر الأمير "بيبرس البندقداري" أن يتقدَّم بطليعة من الجنود؛ ليكشف أخبار المغول، فسار *تى لقِيَ طلائع لهم في "غزة"، فاشتبك معهم، وأل*ق بهم هزيمةً كان لها أثرٌ في نفوس جنوده، وأزالتِ الهيبةَ من نفوسِهم، ثم تقدَّم السلطان "قطز" بجيوشه إلى "غزَّة"، فأقام بها يومًا وا*دًا، ثم ر*ل عن طريق السا*ل إلى "عكَّا"، وكانت لا تزال ت*ت سيطرة الصليبيين، فعرضوا عليه مساعدتهم، لكنه رفض، واكتفى منهم بالوقوف على ال*ياد، وإلاَّ قاتلهم قبل أن يقابل المغول، ثم وافى "قطز" الأمير "بيبرس" عند "عين جالوت" بين "بيسان"، و"نابلس".



وكان الجيش المغولي يقوده "كيتوبوقا" (كتبغا) بعد أن غادر "هولاكو" الشام إلى بلاده للاشتراك في اختيار خاقان جديد للمُغُول، وجمع القائد الجديد قواته التي كانت قد تفرَّقت ببلاد الشام في جيش مو*د، وعسكر بهم في عين جالوت.



اللقاء ال*اسم:

وما كاد يشرق صبا* يوم الجمعة (25 من رمضان 658هـ = 3 من سبتمبر 1260م) *تى اشتبك الفريقان، وانقضَّتْ قوات المغول كالموج الهائل على طلائع الجيوش المصرية؛ *تى ت*قق نصرٌ خاطفٌ، وتمكَّنت بالفعل من تشتيت ميسرة الجيش، غيرَ أن السلطان "قطز" ثبت كالجبال، وصرخ بأعلى صوته: "واإسلاماه!"، فعمَّت صرخته أرجاءَ المكان، وتوافدتْ *وله قواتُه، وانقضوا على الجيش المغولي الذي فوجئ بهذا الثبات والصبر في القتال، وهو الذي اعتاد على النصر الخاطف، فانهارت عزائمه، وارتد مذعورًا لا يكاد يصدق ما يجري في ميدان القتال، وفرُّوا هاربين إلى التلال المجاورة بعد أن رأوا قائدهم "كيتوبوقا" يسقط صريعًا في أرض المعركة.


ولم يكتفِ المسلمون بهذا النصر، بل تتبَّعوا الفلول الهاربة من جيش المغول التي تجمعت في "بيسان" القريبة من "عين جالوت"، واشتبكوا معها في لقاء *اسم، واشتدت وطأة القتال، وتأرج* النصر، وعاد السلطان "قطز" يصي* صي*ة عظيمة سمعها معظم جيشه وهو يقول: "واإسلاماه!" ثلاث مرات ويتضرع إلى الله قائلاً: "يا الله!! انصر عبدك قطز"، وما هي إلا ساعة *تى مالت كفة النصر إلى المسلمين، وانتهى الأمر بهزيمة مدوية للمغول لأول مرة منذ "جنكيز خان"، ثم نزل السلطان عن جواده، ومرَّغ وجهه على أرض المعركة وقبَّلها، وصلَّى ركعتين شكرًا لله4].





5- فت* القسطنطينية على يد "م*مد الفات*"


إن القسطنطينية التي بشَّر الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم – بفت*ها: ((لتفت*ُنَّ القسطنطينية، فلنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولنِعْمَ الجيشُ ذلك الجيش))؛ روه الإمام أ*مد في مسنده، من ذا الذي فت*ها غير السلطان "م*مد الفات*" - ر*مه الله - الذي وضع خُطَّة غاية في دهاء التدبير، وروعة في الإعداد العسكري ودقة التنفيذ؟! يوم *مل السفن برًّا على جذوع الشجر، ثم د*رجها وأنزلها إلى الب*ر خلف البيزنطيين من *يث لا يتوقعون، مما أدى إلى د*ر أسطولهم وهزيمتهم، وفت* القسطنطينية التي أصب*ت فيما بعد عاصمة الخلافة، و*ملت اسم "إسلامبول" أو "إستانبول"؛ أي: مدينة السلام ([5]).



كيف تم فت* القسطنطينية؟
أراد م*مد الفات* منذ تولِّيه ال*كم *سم مشكلة القسطنطينية، فقد كانت وكرًا للمؤامرات على الدولة العثمانية، واستعد السلطان سياسيًّا وعسكريًّا لذلك، ثم *شد "الفات*" أكثر من ربع مليون جندي أ*دقوا بالقسطنطينية من البَرِّ، واستمر *صار المدينة ثلاثة وخمسين يومًا، تم خلالها بناء منشآت عسكرية ضخمة، واستقدام خيرة الخبراء العسكريين، ومِن بينهم الصانع المجري الشهير "أوربان"، والذي استطاع صنع مدافع عظيمة تقذف كرات هائلة من ال*جارة والنار على أسوار القسطنطينية، وقد بذل البيزنطيون قصارى جهدهم في الدفاع عن المدينة، واستُشهِِد عددٌ كبير من العثمانيين في عمليات التمهيد للفت*، وكان من بين العقبات الرئيسة أمام الجيش العثماني تلك السلسلة الضخمة التي وضعها البيزنطيون؛ ليت*كموا بها في مدخل القرن الذهبي، والتي لا يمكن ب*ال فت* المدينة إلا بتخطّيها، وقد *اول العثمانيون تخطي هذه السلسلة دون جدوى، ووفق الله "الفات*َ" لفكرة رائعة، تدل على عبقرية *ربية فذَّة؛ *يث استطاع نقل سبعين سفينة بعد أن مُهِّدت الأرض وسوُيت في ساعات قليلة، وتم دهن الألوا* الخشبية ووضعها على الطريق؛ تمهيدًا لجرِّ السفن عليها مسافة ثلاثة أميال، وقد تمَّ كل هذا في ليلة وا*دة، وبعيدًا عن أنظار العدو، وكانت فكرةً مبتكرةً وناج*ةً بكل المقاييس، ثم بعد الهجوم الكاس* على المدينة واستسلامها بعد مقتل الإمبراطور، كان التسام* التام مع أهل المدينة؛ *يث كانت لهم ال*رية التامة في ممارسة شعائرهم الدينية، واختيار رؤسائهم الدينيين، ومما يدل على ذلك أن السلطان م*مد الفات* استقبل "بطريرك المدينة"، وتناول معه الطعام، وت*دَّثا في أمور شتى: دينية وسياسية واجتماعية، مما أعطى هذا البطريرك انطباعًا مختلفًا عمَّا كان عليه قبل لقائه السلطان الفات*.



لقد كانت القسطنطينية قبل فت*ها عقبةً كبيرةً في وجه انتشار الإسلام في أوروبا؛ ولذلك فإن سقوطها يعني فت* أوروبا لدخول الإسلام بقوة وسلام أكثر من ذي قبل، ويعتبر فت* القسطنطينية من أهم أ*داث التاريخ العالمية، وخصوصًا تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام، *تى عدَّهُ المؤرخون الأوروبيون ومَن تابعهم نهايةَ العصور الوسطى وبدايةَ العصور ال*ديثة([6]).


والمعارك والغزوات التي كُلِّلت بالانتصار في هذا الشهر المبارك كثيرة، لكن اقتصرت على أشهرها، أو كما يقال: يكفي من القلادة ما أ*اط بالعنق؛ أي: يكفي فخرًا للمسلمين أن يست*ضروا هذه المشاهد الخالدة في التاريخ الإسلامي؛ ليأخذوا منها الدروس والعبر.



وختامًا:
إن المجاهدين المخلصين في كل زمان ومكان قادرون - بتوفيق من الله - على صنع النصر من رماد الهزيمة، وبناء المصر وال*ضارة الراقية في خرائب العدوان، وزرع *دائق العلم والنور في ظلمات الجهل، إذا وجدوا مَن يُ*سن قيادتهم، ويضرب لهم المثل والقدوة، ويتميز بالتض*ية والشجاعة والإخلاص لله - تعالى - ويُغلّب همَّ إعلاء كلمة هذا الدين على مصال*ه الشخصية البالية الفانية، لكن إذا هانوا واستكانوا كانوا قصعة مستبا*ة لكل الأدعياء قبل الأعداء، واللهَ نسأل أن يردَّ هذه الأمة إلى دينها ردًّا جميلاً، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.



وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا م*مَّدٍ وعلى آله وص*به وسلم.