الدعوة إلى الله تعالى من أجل شرائع الإسلام ال*نيف الذي بُعث به لبنة التمام ومسك الختام نبينا م*مد ﷺ، وهذه الدعوة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ البشري فليست كما يظن البعض ويعتقد أنها نشأت من بعثة النبي ﷺ، فهذا خلاف ما جاء في القرآن والسنة من قصص الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله تعالى لتبليغ دينه وشرائعه إلى العالمين، ولإقامة منهج الله تعالى المنزل عليهم وسيادته على كل منهج بشري أو طاغوتي مخالف لمنهج الله تعالى ورسالته، وهذه من كبرى *قائق الدعوة التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهان وعقول الدعاة إلى سبيل الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام.([1])
فتاريخ الدعوة كما بينه الله تعالى في القرآن الكريم كانت أولى خطواته في مسيرة ال*ياة البشرية الطويلة في زمان نبي الله نو* عليه السلام، لأن البشرية ظلت على فطرتها التي خلقها الله تعالى عليها بالتو*يد لله تعالى منذ أول البشرية آدم عليه السلام، واستمسكت بها زماناً طويلاً كما ذكرت كتب القصص والتاريخ ما يقرب من ألف عام، *تى بزغ الشيطان بشركه وتلاعبه في العقول بأن يصرفها عن عبادة خالقها وموجدها سب*انه وتعالى، ثم توالت الرسالات والنبوات من بعده تترى لإعادة البشرية السالكة في طريق الشيطان والخسران إلى طريق النجاة والإيمان، والعبودية لله و*ده المست*ق لها بلا منازع أو شريك. ([2])

مفهوم تاريخ الدعوة:
فن يب*ث فيه عن كيفية نشر الإسلام، وإقناع الناس باتباعه، ثم إثباتها بالتعيين والتوقيت لاطلاع الأمة عليها وإفادتهم منه.
شر* التعريف: في قولنا: (هو فن): أي الضرب من الشيء، أي النوع، فتاريخ الدعوة نوع مُستقل بذاته عن غيره من العلوم، وفي قولنا: (ثم إثباتها بالتعيين): أي رصد هذه المعلومات بتعيين ال*ادثة، وأبرز الأشخاص الذين شاركوا فيها، وفي قولنا: (والتوقيت): أي ربط ذلك بالتوقيت الزمني لهذه الأ*وال والمراتب. ([3])

أهمية معرفة تاريخ الدعوة:
1. معرفة منهج الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله جل جلاله تدل على أصالة وقِدم تاريخ الدعوة.
2. يقودنا إلى معرفة كيف كانت البشرية على التو*يد، ثم ت*ولت إلى الشرك وأسباب ذلك، وما قدمه الرسل لدعوة المشركين بالله جل جلاله، *يث يظهر لنا القدوات الصال*ة، وخيرهم الرسول ﷺ ومن تبعه من الخلفاء الراشدين والسلف الصال*.
3. استشعار عَظمة الله جل جلاله وأن له سُنن كونية في خلقه، *يث جعل الصراع بين ال*ق والباطل مستمراً إلى قيام الساعة، فقد يعلو الباطل في أزمان، ولكن يبقى معه أص*اب ال*ق مُستعلين بالمنهج النبوي والعقيدة الإسلامية الص*ي*ة.

من الدروس والعبر من دعوة النبي ﷺ في العهد المكي:
1. إلهام الرسول ﷺ من قِبل ربه بأن يبدأ الدعوة سراً إرشادًا له وللدعاة من بعده إلى وجوب الأخذ بال*يطة والأسباب، إذ أن الرسول ﷺ مدعوم بقوة الله ولو بدأ الدعوة جهراً فإن الله سي*فظه، ولن ينالوا منه شيئاً، لكن لبيان منهج الإسلام في الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسبب الأسباب.
2. إذا كان المسلمين في قلة من العدد أو ضعف من العِدة، ب*يث يغلب على ظنهم أنهم سيقتلون، من غير أن يكون هناك نكاية في أعدائهم، فينبغي أن تقدم هنا مصل*ة *فظ النفس؛ لأن المصل*ة المقابلة هي مصل*ة *فظ الدين، وهي موهومة أو متوقعة أو منفية الوقوع، وهذا ما يقرره العلماء.
3. دور المرأة في الدعوة كما فعلت خديجة رضي الله عنها زوجة رسول الله ﷺ، آمنت به، وصدقت برسالته، واغنته بمالها، ويسرت له الطريق بأمر الله تعالى، فكانت خير عون على تبليغ الرسالة. ([4])
تأسيس وبناء الدولة الإسلامية في المدينة النبوية:
شكلت الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية منعطفاً *اسماً في مسار التاريخ الإسلامي، وذلك نظرًا لما أسست له من ت*ولات عميقة وجذرية سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وبات من المتفق عليه بين المؤرخين أن *دث الهجرة كان إعلاناً لبزوغ مر*لة الدولة الإسلامية، بعد مر*لة الدعوة في مكة المكرمة، وقد وضع رسول الله ﷺ خلال هذه المر*لة الجديدة المعالم الأساسية للمجتمع الإسلامي في كل أبعادها، الفردية والجماعية، العامة والخاصة بل إن تقسيم آيات القرآن الكريم إلى مكية ومدنية *سب مرا*ل نزولها، دليل على أهمية وخصوصية كل مر*لة، وبالتالي فإن الهجرة ك*دث فاصل بين هاتين المر*لتين جدير بالاهتمام والدراسة، والنبي ﷺ أقام الدولة على أسس ومناهج لم يقلد فيها أ*داً، بل كانت هدياً نبوياً وتوفيقاً إلهياً لا يأتيه الباطل وذلك لتكون هي الدولة الأنموذج بالنسبة للمسلمين التي يجب أن تُ*تذى في تنظيمها وبنائها وأهدافها، لاسيما أن هدفها علوي، يسعى لنشر نور الهداية الربانية في جميع أصقاع الأرض، وذلك لينتشل الإنسانية من الأرجاس والرذائل التي ل*قت بها، ويوصلها إلى مكارم الأخلاق وعالم الفضيلة ولكي تقوم الدولة بهذه المهمة العظيمة سعى النبي ﷺ لبناء دولة نموذجية في كل شيء لتصب* سنة جارية في التاريخ، والأسس القوية التي قامت عليها الدولة تعد قواعد كلية ومبادئ عامة صال*ة للتطبيق في كل زمان ومكان، وافية ب*اجات البشر على طول الزمن وتعدد ال*اجات والمطالب، ت*قق فيها العدل والمساواة بين البشرية وتعاون الإنسانية على الخير. ([5])

منهج النبي ﷺ في العهد المدني:
يمكن تقسيم منهج النبي ﷺ في العهد المدني إلى ثلاث مرا*ل‏:
1. مر*لة تأسيس المجتمع الإسلامي، وتمكين الدعوة الإسلامية، وقد أثيرت في هذه المر*لة القلاقل والفتن من الداخل، وز*ف فيها الأعداء من الخارج؛ ليستأصلوا شأفة المسلمين، ويقلعوا الدعوة من جذورها‏، ‏وقد انتهت هذه المر*لة بتغلب المسلمين وسيطرتهم على الموقف مع عقد صل* ال*ديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة‏.
2. مر*لة الصل* مع العدو الأكبر، والفراغ لدعوة ملوك الأرض إلى الإسلام، وللقضاء على أطراف المؤامرات، ‏ وقد انتهت هذه المر*لة بفت* مكة المكرمة في رمضان سنة ثمان من الهجرة‏. ‏
3. مر*لة استقبال الوفود، ودخول الناس في دين الله أفواجًا‏، وقد امتدت هذه المر*لة إلى وفاة الرسول ﷺ في ربيع الأول سنة إ*دى عشرة من الهجرة‏.

‏ من الدروس والعبر من دعوة النبي ﷺ في العهد المدني:
1. إرساء قواعد العقيدة قَبْل الأمر بالتكاليف؛ *يث بدأ الأمر بالتكاليف في المدينة بعد إقامة الدولة وتمكين الإيمان في القلوب.
2. عرض الدعوة على جميع الناس؛ الفقراء والأغنياء، القريب والبعيد، وإقامة ال*جة على الناس، وطلب النصرة. ([6])

أهم الأعمال التي قام بها النبي ﷺ في المدينة النبوية من أجل دعم منهج الدعوة إلى الله تعالى:
1. بناء مسجد قباء ثم مسجده عليه الصلاة والسلام ليكون مكان العبادة، وم*ور انطلاقة منهج الدعوة.([7])
2. القيام بالمؤاخاة بين مجتمع المؤمنين في المدينة والمتمثل بين الأنصار والمهاجرين، ليكون دليلاً عظيماً على قوة العقيدة والإيمان، ومدى صنيع منهج الدعوة في بناء الكيان الإنساني النبيل.([8])
3. قيام النبي ﷺ بنشر الدعوة بين الناس، وتعليم المسلمين أمور دينهم، والعمل على تربيتهم التربية الإسلامية الص*ي*ة.([9])
4. تطبيق النبي ﷺ الأ*كام الشرعية بين المسلمين، وإظهار شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والا*تساب على الناس.([10])
5. قيام النبي ﷺ بإيصال منهج الدعوة إلى الملوك والأمراء في عهده، وذلك من خلال إرسال الرسل والكتب إليهم، ودعوتهم إلى الإسلام.([11])
6. قيام النبي ﷺ باستقبال الوفود التي أتته من كل مكان لمبايعته والدخول في دين الإسلام، فكان هذا من أعظم البشائر بتقدم منهج الدعوة في طريق النصر وقبول الناس به.([12])
7. قيام النبي ﷺ بالجهاد في سبيل الله، وذلك بعد إذن الله تعالى له، ودفعاً لصائلة الأعداء وتربصهم بالمسلمين، و*ماية للمجتمع المسلم، ووقاية للأموال والأنفس والأعراض من انتهاك المشركين لها، وفي ذلك أبلغ الأدلة على عظمة تشريع الجهاد وأنه ليس للعدوان والانتقام والتشفّي أو من أجل *بّ إراقة الدّماء وإرهاق الأروا* كما يروّج المستشرقون أو أعداء الإسلام.([13])
8. تعامل النبي ﷺ مع أهل بيته، التعامل الأمثل، ليؤكد بذلك على أهمية ابتناء البيت المسلم على البناء الإسلامي الص*ي*، والتكوين المتكامل والتربية السليمة، والتعاون المتبادل بين أعضاء الأسرة الوا*دة، ومن ثم قيام هذا البيت بالدعوة إلى الله.([14])
9. قيام النبي ﷺ بتربية أص*ابه التربية الإيمانية الدافعة ل*مل منهج الدعوة الإسلامية إلى العالم أجمع، فكان ذلك المجتمع الأول أفضل وأكمل مجتمع.([15])
10. استعمال النبي ﷺ لجملة من الوسائل والأساليب النافعة لبيان منهج الدعوة وإيصاله للناس كافة.([16])

الخلاصة: فإن مسيرة منهج الدعوة في العهد النبوي، هي أكمل وأفضل مسيرة عرفها المسلمون في تاريخهم الطويل.

تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين:
امتد عهد الخلفاء الراشدين من السنة (11ه إلى 40ه)، والمنهج الدعوي في عهد الخلفاء الراشدين ليس إلا امتداداً للعهد النبوي، وترسيخ لمبادئه التي تسير وفق المنهج القرآني الذي بيَّن منهج الدعوة وأساليبها مع المدعويين بجميع أصنافهم، وظهر الاهتمام الدعوي في عهد الخلفاء الراشدين بأمرين، هما:
1. إرشاد المسلمين وتوجيههم إلى *كم الله وهدي الرسول ﷺ في كل أمر ديني ودنيوي في خطب الجمعة والأعياد وفي كل مناسبة.
2. تبليغ الدعوة لغير المسلمين بكافة الأساليب وشتى الوسائل الدعوية، وكان الص*ابة رضي الله عنهم يقومون بالدعوة في البلاد المفتو*ة *تى يسلم أهلها ويدخلون في الإسلام اختياراً ورغبة. ([17])
تاريخ الدعوة في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه[18])

من مواقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الدعوة:
1. امتثال أمر النبي ﷺ بعد وفاته بتنفيذه جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه، وجهوده في القضاء على الدعوات المضللة لما سيَّر الصديق رضي الله عنه جيش أسامة رضي الله عنه ومضت ثلاثة أيام، عيَّن الصديق بعض كبار الص*ابة على منافذ المدينة، وعندما أغار على المدينة بعض المرتدين ليلاً خرج الصديق إليهم بمن كان معه في المسجد ففر المغيرون، وأدركهم الصديق ف*صل اللقاء، ووضع الصديق فيهم السيف ثم رجع إلى المدينة، واستقر فيها *تى عاد جيش أسامة منتصرًا، وبعدها خرج الصديق إلى ذي القصة فعقد أ*د عشر لواء لقتال المرتدين، وجعل على كل لواء قائدًا، ووجههم جميعاً إلى جهات من الجزيرة، وهي الجهات التي فيها الردة. ([19])
2. دعوة المرتدين ليرجعوا إلى الإسلام: ارتدت العرب بعد وفاة النبي ﷺ، فمنهم من أنكر الاستجابة لهذه الدعوة بالكلية، ومنهم من امتنع عن الاستجابة لبعضها فمنعوا أداء الزكاة، ولم يبق من العرب على أمر الدعوة إلا أهل المسجدين مكة والمدينة.
3. جمع مصدر الدعوة الأول (القرآن الكريم): عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليَّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني. فقال: إن القتل قد است*ر يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يست*ر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن يجمعوه، وإني لأرى أن يجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه *تى شر* الله لذلك صدري، فرأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل ولا نتهمك، وقد كنت تكتب الو*ي لرسول الله ﷺ؛ فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، فقلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي ﷺ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه *تى شر* الله صدري للذي شر* له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، *تى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ *َرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَ*ِيمٌ) [التوبة: ١٢٨]، فكانت الص*ف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر *تى توفاه الله، ثم عند عمر *تى توفاه الله، ثم عند *فصة بنت عمر رضي الله عنها. ([20])

تاريخ الدعوة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه[21])
أرسل الله رسوله م*مداً ﷺ داعياً بإذنه وسراجاً منيراً واقتبس الص*ابة منه هذا النور ولما توفاه الله *مل هذا النور أبو بكر ومضى به في الأمة يدعو إلى الله سب*انه ولما قضى *مل الراية الفاروق عمر يدعو إلى الله تعالى، ولقد شهدت الأمة للفاروق رضي الله عنه بغزارة العلم والفقه، وتاريخه في الدعوة إلى الله تعالى *افل بالمستجدات في عصره، ومن ذلك:
1. بدأ هو بنفسه بالدعوة إلى الله *يث كان يخطب الناس بالمدينة ويوجه ويرشد وقد *فظ التاريخ للفاروق كثيراً من خطبه، فقد خطب عمر بن الخطاب على منبر الرسول ﷺ فقال: (إنه قد نزل ت*ريم الخمر وفي خمسة أشياء العنب، التمر، ال*نطة، العسل، الشعير). ([22])
2. جعل المدينة داراً للفتوى والفقه وعاصمة الدولة الإسلامية وموطن الخلافة وبعد الفتو* اتسعت رقعة الإسلام، وقد كانت المدينة ت*تل المكانة المرموقة بين سائر الأمصار وكانت مجمع للص*ابة ذوي السبق في الإسلام استبقاهم *وله *رصاً عليهم ورغبة في أن يكونوا عوناً له في سياسة الأمة والاستعانة بعلمهم واسترشاداً بآرائهم ومشورتهم، وقد بلغ فقهاء الص*ابة المفتون (130) ص*ابياً مفتياً، وقد جعل المدينة مدرسة تخرج العلماء والقضاة وإذا نظرنا إلى المدارس العلمية الأولى وجدنا الأثر العمري عليها لأن المؤسسين لها تأثروا في فقه الفاروق رضي الله عنه.
3. كان عمر رضي الله عنه إذا اجتمع إليه جيش بعث عليهم رجلاً من أهل العلم والفقه يعلم الجند أمور دينهم وما قد يعرض لهم من الأمور والأ*كام الفقهية والقران. ([23])
4. فرض عمر الرواتب للدعاة من بيت مال المسلمين للمعلمين والمفتين *تى يتفرغوا لأداء مهمتهم في التعليم والإفتاء و*تى الذين يعلمون الأطفال تكفل الفاروق بأرزاقهم، وقد كان في المدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان فكان عمر يرزق كل منهم خمسة عشر درهم في كل شهر.
5. كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وهو بالبصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً وللقبائل مسجداً فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة وشهدوا الجماعة.

تاريخ الدعوة في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه[24])
لُقب عثمان بن عفان رضي الله عنه بذي النورين، لأنه تزوج ببنت النبي ﷺ رقية، و*ين توفيت تزوج بأختها الثانية أم كلثوم رضي الله عنهم، ومن أهم أعمال الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه:
1. فت* أذربيجان والري وأرمينية والإسكندرية وأفريقيا (تونس).
2. أنشأ أول أسطول ب*ري إسلامي.
3. جمع القرآن على عدة نسخ، وجمع الناس عل *رف وا*د؛ خوفاً منه على اختلاف الأمة في القراءة لما اتسعت الدولة وتعددت الأمصار.
4. توسيع المسجد النبوي؛ فقد كثر سكان المدينة، وزاد عدد المصلين *تى إنهم لا يجدون مكاناً في المسجد لأداء الصلاة.

تاريخ الدعوة في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه[25])
من مواقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الدعوة مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: قام علي بدور عظيم في أخذ أبي ذر إلى مقر الرسول ﷺ ف*ينما سمع أبا ذر بالنبي ﷺ قدم إلى مكة، وكره أن يسأل عنه، *تى أدركه الليل فاضطجع فرآه علي فعرفه أنه غريب، فاستضافه ولم يسأل عن شيء، ثم غادر صبا*اً إلى المسجد ال*رام فمكث *تى أمسى فرآه علي فاستضافه لليلة ثانية و*دث مثل ذلك الليلة الثالثة ثم سأله عن سبب قدومه. فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة الرسول ﷺ، فقال له علي: فإنه *ق، وهو رسول الله فإذا أصب*ت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإذا مضيت فاتبعني فتبعه وقابل الرسول ﷺ واستمع إلى قوله فأسلم: فقال له النبي ﷺ: (ارجع إلى قومك فأخبرهم *تى يأتيك أمري).

تاريخ الدعوة في العهد الأموي: ([26])
يبتدئ العهد الأموي من عام (40) للهجرة عندما تولى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ال*كم إلى عام (132) للهجرة عندما قتل مروان بن م*مد آخر *كام بني أمية. ([27])
وتأسّست الدولة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عام (40) للهجرة ويسمى عام الجماعة، *يث كان قبل ذلك والياً على الشام منذ العام الثامن عشر للهجرة، وبعد *ادثة قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه اضطربت الأمور و*صلت الفتن فيها *ينما تولّى الخلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدون أن يبايعه والي الشّام معاوية، وكانت *جّة معاوية أنّ الخليفة يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان قبل مبايعته، وقد اعتبر معاوية نفسه ولي دم عثمان بسبب أنّهما من بني أمية, وقد *صلت مواجهات بين معسكر علي ومعاوية ولم تنته إلا عند قتل الخليفة علي وتولّي ابنه ال*سن الخلافة، *يث قرّر ال*سن التنازل لمعاوية عن الخلافة، فأصب* معاوية خليفة للمسلمين ليكون بذلك أوّل خليفة من خلفاء الدولة الأموية، واستمر *كم معاوية عشرين سنة توسعت فيها الدولة الأموية، وقد سنّ معاوية ولاية العهد كمبدأ للتعيين من بعده *ينما أمر الناس بمبايعة ابنه يزيد للخلافة قبل عشر سنوات من وفاته وذلك في عام (50) للهجرة, وينتسب الأمويون إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وفي عبد مناف يلتقي بنو أمية مع بني هاشم، وكان بنو عبد مناف يتمتعون بمركز الزعامة في مكة، لايناهضهم فيه أ*د من بطون، وقد اتخذت الدولة الإسلامية من دمشق عاصمة لها. ([28])

من عوامل نجا* قيام الدولة الأموية:
1. صبر و*لم الص*ابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه و*سن سياسته وعدله.
2. وجود نخبة من الص*ابة والتابعين رضي الله عنهم.
3. *سن اختيار مبعوثيها إلى الدول المجاورة، ومدى أهليتهم علماً وديانةً وخلقاً.
4. قيام الخلفاء بدورهم بتبليغ دعوة الله في أرضه بشتى الوسائل والطرق ومن بينها (الرسائل الدعوية).

من أساليب ووسائل الدعوة في الدولة الأموية:
1. أساليب الدعوة في العصر الأموي كانت تنطلق من خلال المعالم التي رسمتها لها المناهج الدعوية، فقد اهتدت بهداها، *يث كان الكتاب والسنة هما الأساس الذي من خلاله استخلصت تلك الأساليب الدعوية: على مستوى العلماء: فإن أبرز الأساليب الدعوية التي استخدموها هي أساليب ثلاثة: (ال*كمة، الموعظة ال*سنة، المجادلة بالتي هي أ*سن)، وعلى مستوى الخلفاء: فإن أبرز أساليب الدعوة التي سلكوها في سياستهم لرعيتهم هي أسلوبا: (الترغيب والترهيب).
2. وسائل الدعوة في العصر الأموي كانت متعددة ومتنوعة وقد أجاد المشتغلون بالدعوة استخدامها، ووظفوها لخدمة الدعوة بما يتناسب مع متطلبات عصرهم، *يث بلغت الدعوة الإسلامية في تلك الفترة الزمنية أقصى انتشار لها، وأشرقت شمس الهداية على أمم لم تكن تعرف الإسلام أو تدين به، ومن أبرز الوسائل الدعوية في العصر الأموي هي: الفتو*ات الإسلامية وتبليغ الدعوة.
3. ال*ركات العلمية في التفسير وال*ديث، الفقه، الوعظ، التاريخ، الشعر، والخطب والنصائ*، وال*وار والمناقشات والمناظرات.

من مشكلات الدعوة في العصر الأموي:
تتلخص مشكلات ومعوقات الدعوة في العصر الأموي ما يلي:
1. ظهور المبتدعة في الدين سواءً كان في جانب العقيدة أو في جانب الأ*كام.
2. ظهور العصبية القبلية والعنصرية الشعوبية.
3. ظهور ال*ركات السياسية متمثلة في الشيعة والخوارج.
4. وقوف بعض الأمراء في طريق العلماء ودعوتهم.
5. مظاهر البذخ والترف عند بعض العلماء والأمراء.

تاريخ الدعوة في العهد العباسي: ([29])
يبتدئ العهد العباسي من عام (132) للهجرة بولاية أبي العباس عبدالله السفَّا* ال*كم إلى عام (656) للهجرة عندما قتل الخليفة المستعصم بالله آخر *كام بني العباس. ([30])
ويتض* من التسمية أن هذه الدولة تنسب إلى شخص بعينه هو العباس عم النبي ﷺ؛ ذلك أن علي بن عبدالله بن عباس – جد الخلفاء من بني العباس والذي كان من أهل العلم والديانة – خرج من دمشق عاصمة الدولة الأموية، واستقر في ضا*ية ال*ميمة، وكان موقع هذه البلدة ذا بعد استراتيجي وله تأثير في تكوين الدعوة إلى الدولة وتأسيسها، نظراً لبعدها عن أعين الأموين وموقعها الجيد بين دمشق وفلسطين وال*جاز، وكان استقراره فيها بعد بداية تكوين الدولة وتأسيسها ال*قيقي ثم كانت هناك مر*لة أخرى أكثر تقدماً ونشاطاً في مسيرة التأسيس وهي المر*لة التي تولى فيها إمامة الدعوة م*مد بن علي وراثة عن أبيه، مواكباً فيها نشاط بعض العلويين في الكوفة، ومت*داً معهم في شعار جامع، وهو (الرضا من آل م*مد)، والذي جمع به قلوب الناس عليه. ([31])
ولم تكن *ركة العباسيين خبط عشواء، بل استطاعت في برنامجها أن تضع أمام عينها الخريطة الجغرافية والسكانية، فتأكد تميزها بالمنهج العلمي، ولا أدل على ذلك اختيارها لل*ميمة عاصمة ونواة للدعوة السرية في قيام الدولة، ثم تكثيف عملها في خرسان أقصى الشرق الفارسي، نظراً لأن الكوفة والبصرة ودمشق لا تت*د معها في الولاء. ([32])

من عوامل نجا* قيام الدولة العباسية:
لاشك أن الله تعالى إذا أراد أمراً يسّر أسبابه، وأن انتقال ال*كم من اليد الأموية إلى اليد العباسية كان في ظروف سخرها الله لدولة بني العباس، وأهم وأبرز الأسباب على سبيل المثال لا ال*صر:
1. وفِّقت الدعوة في بدايتها بتو*يد صفها الداخلي فجعلت الشعار هاشمياً، *تى يت*د الصف العباسي مع العلوي.
2. رفعت شعارات براقة استمالت قلوب الناس إليهم مثل: المساواة، في الوقت الذي بلغت الشعوبية فيه والعصبية القبلية ذروتها.
3. أن الله سخر لهم قادة فكر وعلم و*رب، نص*وا لهم غاية النص*، مثل ميسرة العبدي، وبكر بن ماهان، وأبي سلمة الخلال، وأكبر من ذلك أبو مسلم الخرساني الذي *مل لبني العباس لواء ال*رب.
4. اختيار خرسان مكاناً لإشعال الثورة بسبب الصراع القبلي والطبقي، وقل مثله في الطبقية التي كان يكتوي العنصر الفارسي بنارها، فكانت الدعوة العباسية تتبادل النفع مع هذه المشكلة.
5. طول الفترة التي قطعها بنو العباس في بناء الدولة *يث استغرق تأسيسهم وعملهم للدولة ما بين ثلاثين إلى خمسين عاماً.

من أساليب ووسائل الدعوة في الدولة العباسية:
يعتبر العصر العباسي من العصور الزاهرة بالعلم والدعوة في التاريخ الإسلامي، ومن أهم وسائل الدعوة التي كانت تتماشى مع خط العلم سواء بسواء:
1. مجالس الم*دثين: نال *ديث رسول الله ﷺ في العصر العباسي رواجاً عاماً وتقديراً بالغاً من الجمهور، وقيض الله سب*انه وتعالى لخدمة علم ال*ديث أفواجاً من العلماء كانوا يمتازون بعلو همتهم وطمو*هم وبشدة نشاطهم وقوة ا*تمالهم وصبرهم و*دّة ذاكرتهم وقوة *فظهم، وأصب* العالم الإسلامي آنذاك مجالاً فسي*اً لتجول طلبة العلم من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب, ومن أجل ذلك لم تزل مجالس علم ال*ديث زاخرة بأفواج من المستمعين لل*ديث والمصغين إليه، فما *كاه الذهبي: (أن مجلس يزيد بن هارون ببغداد كان ي*ضره سبعون ألفاً، وقُدِّر المستمعون في مجلس سليمان بن *رب فكانوا أربعين ألفاً) ([33])، وهذا الإقبال العظيم على مجالس علم ال*ديث في العصر العباسي الأول، أثبت بكل صرا*ة ووضو* أن الجمهور رفضوا أفكار الفرق الباطلة، ولم يقبلوا أي تأويل أو ت*ريف لكتاب الله مهما كان ذلك التأويل يتجاوب مع العقل البشري غير المهتدي بهدي الكتاب والسنة التي هي بيان رسول الله ﷺ كتاب ربه. ([34])
2. مجالس الفقهاء: إن ما يواجهه المجتمع الإسلامي في ذلك العصر من المسائل ال*ديثة والوقائع المستجدة بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية استنفر لهذه المهمة رجالاً عباقرة يتصفون بالثقة والكفاءة والإخلاص وهم فقهاء الأمة الإسلامية. فكان مجتمع العراق ومجتمع ما وراء النهر ينعمان بفقه الإمام العظيم أبي *نيفة؛ إذ *از صا*به القاضي أبو يوسف منصب قاضي القضاة في عهد الرشيد، كما كان مجتمع ال*جاز ينعم بفقه الإمام مالك بن أنس، وكانت *لقات درسه قائمة في المسجد النبوي الشريف، وانتشر فقهه في مصر وشمال إفريقية والأندلس بفضل الله ثم بفضل جهود تلاميذه، كما كانت الديار المصرية تتمتع بنتاج الفقيهين العظيمين الإمام ليث بن سعد والإمام م*مد بن إدريس الشافعي، وكانت الشام تستنير من فقه الإمام الأوزاعي وسفيان الثوري، كما كانت بغداد تستفيد من فقه الإمام أ*مد بن *نبل. وهكذا هيأت الدعوة الإسلامية بواسطة هؤلاء العباقرة جواً تسهم من خلاله في الم*افظة ما أمكن على *ياة الأمة الإسلامية في اجتماعها ومعاملاتها واقتصادها كي لا تضيع ذاتها في خضم العصر العباسي الأول من بعض الان*رافات التي ظهرت. ([35])
3. *لقات الزهاد والنساك: انبثقت في م*يط الدعوة الإسلامية في العصر العباسي الأول جهة ثالثة لمقاومة تيارات الفساد الطاغية، و*ازت على هذه الجبهة جماعة الزهاد والنساك، الذين كان لهم دور رائد في توعية الناس ونص*هم بأعمالهم قبل أقوالهم. ([36])
4. الرسائل: يقصد بها تلك الرسائل التي يوجهها العلماء والدعاة إلى من يسألهم، ومن أمثلة ذلك: (رسالة الإمام أ*مد بن *نبل إلى الخليفة المتوكل يجيبه عن سؤاله *ول أمّ القرآن *ينما كتب عبيد الله بن ي*يى إلى الإمام أ*مد بن *نبل رسالة يخبره فيها أن أمير المؤمنين المتوكل أمره أن يكتب إليه يسأله عن أمّ القرآن لا مسألة امت*ان ولكن مسألة معرفة وبصيرة). ([37])

من مشكلات الدعوة في العصر العباسي:
من الطبيعي أن يفتر العمل في العصر العباسي وأن تعتريه عوائق وأ*وال ومشكلات، منها:
1. ان*راف الدولة عن جادتها الدعوية فهذه هي المشكلة الكبرى التي واجهتها الدعوة الإسلامية في العصر العباسي الأول وتسببت في الان*راف في النوا*ي الاجتماعية والقضائية والمالية والسياسية.
2. وجود مذاهب مختلفة فكرية وكلامية نشأ بعضها من دسّ أعداء الإسلام كالسبيئة والشيعة، ونشأ بعضها من أجل الاعوجاج الفكري كالخوارج، كما *دث بعضها من جراء الا*تكاك بالأمم الأخرى وترجمة ثقافتها وعلومها ترجمةً لم تنظم كما كان من الواجب أن تنظم؛ كالمعتزلة والمرجئة والجهمية وغيرها، وقد تضاعفت قوة اثنين منها خلال العصر العباسي الأول، وهما: (الشيعة، والمعتزلة). ([38])
3. عدم تبني الدولة الدعوة في الخارج ويعود السبب إلى نوا*ي الضعف التي *دثت في الكيان الإسلامي، والدولة العباسية اشتغلت في بداية أمرها بتدعيم سطوتها وتوجيه قوتها إلى إخماد الثورات الداخلية، وبعدما استقر أمرها نجد الصوائف والشواتي ن*و الروم والهجمات عليها، ويقود تلك الصوائف والشواتي في غالب الأ*يان بعض القادة، وقد يقودها الخلفاء، كما قاد المهدي بنفسه قبل أن يلي الخلافة وبعدها وهو الأمر الذي ضمر في آخر عصورها.

تاريخ الدعوة في العهد العثماني: ([39])
يبتدئ العهد العثماني من عام (698) للهجرة بتأسيس عثمان الأول بن أرطغرل الدولة العثمانية وانتهت بإسقاطها عام (1343) للهجرة *يث بقيت الدولة ما يقارب (645) عاماً. ([40])
وبلغت الدولة العثمانية ذروة مجدها وقوتها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فامتدت أراضيها لتشمل أن*اء واسعة من قارات العالم القديم الثلاثة: (أوروبا وآسيا وأفريقيا)، *يث خضعت لها كامل آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا وشمالي أفريقيا، وكان للدولة سيادة اسمية على عدد من الدول والإمارات المجاورة في أوروبا، التي أض*ى بعضها يُشكل جزءًا فعليًا من الدولة مع مرور الزمن، بينما *صل بعضها الآخر على نوع من الاستقلال الذاتي, وأض*ت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان الأول (القانوني) (*كم منذ عام 941هـ *تى عام 987هـ) قوّة عظمى من النا*يتين السياسية والعسكرية، وأصب*ت عاصمتها القسطنطينية تلعب دور صلة الوصل بين العالمين الأوروبي النصراني والشرقي الإسلامي، وبعد انتهاء عهد السلطان سليمان الأول (القانوني) الذي يُعتبر عصر الدولة العثمانية الذهبي، أصيبت الدولة بالضعف وأخذت تفقد ممتلكاتها شيئا فشيئًا، على الرغم من أنها عرفت فترات من الانتعاش والإصلا* إلا أنها لم تكن كافية لإعادتها إلى وضعها السابق, وانتهت الدولة العثمانية بصفتها السياسية سنة (1343هـ)، وأزيلت بوصفها دولة قائمة ب*كم القانون سنة (1344هـ)، بعد توقيعها على معاهدة لوزان، وزالت نهائيًا عند قيام الجمهورية التركية التي تعتبر الوريث الشرعي للدولة العثمانية.

من عوامل نجا* قيام الدولة العثمانية:
1. أهم دولتين في آسيا الصغرى هما الدولة البيزنطية ممثلة في إماراتها في آسيا، ودولةُ سلاجقة الروم، وكانتا قد وصلتا إلى *الة من الضعف والانهيار نتيجة الصراع الطويل بينهما، وتعرض البيزنطيين الأرثوذكس للغزو الكاثوليكي، وتعرُّض دولة السلاجقة لغزو المغول؛ مما جعل منطقة الأناضول تعيش فراغًا سياسيًّا، ساعد الدولةَ العثمانية في بداية تكوينها على أنقاض هاتين الدولتين المتداعيتين.
2. ساهم سقوط القسطنطينية بتمكين العثمانيين من بناء قوة ب*رية هائلة وتكوين أسطول ب*ري كبير كما أصب* العثمانيون أكثر استقراراً بعد ال*ياة البدوية.
3. بروز الطابع الديني المتَّقد *ماسة لدى العثمانيين منذ عهد الأمير عثمان؛ إذ على الرغم من أن الأتراك قد بدؤوا الدخول في الإسلام في وقت مبكر، إلا أنه في عهد هذا الأمير زاد انتشار الإسلام فيهم، ويبدو أنهم قبل ذلك كانوا يعيشون *الة من الانتقال من الوثنية إلى الإسلام.
4. الاهتمام ببناء جيش قوي ومدرب ولذا تم تكوين الجيش الانكشاري وتهيئته بجميع أدوات القتال مما جعله يسهم في مد نفوذ الدولة وتوسعها الكبير.

من أساليب ووسائل الدعوة في الدولة العثمانية:
1. اهتم سلاطين بني عثمان بالشعائر الدينية فبنوا المساجد وعمّروها وأوقفوا عليها الأوقاف وبنوا المدارس الدينية ورتبوا لها مصادر أنفاق دائمة.
2. اعتنوا بال*ج وصيانة البلاد المقدسة (مكة والمدينة والقدس) مما كان يصيبها من خراب وتهدم.
3. قامت الدولة العثمانية بدور هام في نشر الإسلام في أصقاع شتى من الأقاليم الأوروبية، وكانت رو* الجهاد الديني غالبة في إسلام العثمانيين، وازدادت قوةً وصلابةً عندما استقروا في الأناضول على *دود أو على مقربة من الكيانات المسي*ية المتناثرة.
4. *افظت الدولة العثمانية على إسلام وعروبة سكان شمالي إفريقيا من أخطار الغزو الصليبي الاستعماري الأوروبي، الذي *ملت لواءه البرتغال وإسبانيا، والمنظمة الصليبية المعروفة باسم فرسان القديس يو*نا، والتي اتخذت من جزيرة مالطة مستقرًّا ومقامًا.

من مشكلات الدعوة في العصر العثماني:
1. إهمال اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم، وال*ديث الشريف، وهما المصدر الرئيس للتشريع، وكان يجب الاهتمام بها وتعلمها كونها لغة الإسلام، بالرغم من أن بعض السلاطين قد عمل على اهتمام المدارس باللغة العربية، وكان على الخلفاء أن يتعلموا هم العربية، ويشجعوا عليها.
2. عدم الوعي الإسلامي إذ كان كثير من الناس لا يعرفون من الإسلام سوى العبادات، لذا كانوا ي*رصون عليها وعلى تأديتها، وهذا أدى إلى انتشار الطرق الصوفية، وضعف فكرة الجهاد.
3. ضعف عقيدة الولاء والبراء لدى سلاطين الدولة المتأخرين وموالاة الكافرين وإتباعهم واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين وهذا الأمر انعكس على المجتمع.
4. إقرار المذهب ال*نفي في كافة البلاد والتعصب له وتجاهل مختلف المذاهب و*تى آراء المجتهدين.
5. انتشار الجهل والبدع بين الناس وتبني الدولة لها مثل المولد النبوي وانتشار الخرافات ودعمها أ*ياناً.
6. نشرت الدولة العثمانية الشرك بنشرها للتصوف القائم على عبادة القبور والأولياء والاستغاثة والاستعانة بأص*اب الأضر*ة والقبور والذب* والنذر لها.
7. الأتراك العثمانيون ينتمون إلى هذه الطريقة (البكداشية) وهي ما تزال منتشرة في ألبانيا كما أنها أقرب إلى التصوف الشيعي منها إلى التصوف السني وكان لها سلطان عظيم على ال*كام العثمانيون ذاتهم (ولذا انتشر الشرك والكفر واندرس التو*يد في البلاد التي ي*كمونها)، يقول الإمام سعود بن عبد العزيز ر*مه الله تعالى (ت 1229 هـ) في رسالة له إلى والي العراق العثماني واصفاً *ال دولتهم: (فشعائر الكفر بالله والشرك هي الظاهرة عندكم مثل بناء القباب على القبور وإيقاد السرج عليها وتعليق الستور عليها وزيارتها بما لم يشرعه الله ورسوله واتخاذها عيداً وسؤال أص*ابها قضاء ال*اجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، هذا مع تضييع فرائض الدين التي أمر الله بإقامتها من الصلوات الخمس وغيرها فمن أراد الصلاة صلى و*ده ومن تركها لم ينكر عليه وكذلك الزكاة وهذا أمر قد شاع وذاع وملأ الأسماع في كثير من بلاد الشام والعراق ومصر وغير ذلك من البلدان).
8. *رب العثمانيون للتو*يد فقد *اربوا دعوة الشيخ م*مد بن عبدالوهاب ر*مه الله تعالى كما هو معروف وأرسلوا ال*ملات تلو ال*ملات لم*اربة أهل التو*يد *تى هدموا الدرعية عاصمة الدعوة السلفية عام (1233هـ)، وقد كان العثمانيون في *ربهم للتو*يد يطلبون المعونة من النصارى، فقد عثر بعض الدارسين في (أوروبا) على وثائق كانت متبادلة بين (نابليون بونابرت) زعيم (فرنسا) و (الباب العالي) كبير العثمانيين بخصوص دعوة الشيخ م*مد بن عبد الوهاب ووجوب عمل اللازم تجاهها كخطر على مصال*هم في الشرق.

تاريخ الدعوة في المملكة العربية السعودية:
تأسست الدولة السعودية الأولى بمبايعة تاريخية بين الأمير م*مد بن سعود والشيخ م*مد بن عبدالوهاب ر*مهما الله تعالى عام (1157هـ)، وكان أساسها تص*ي* العقيدة وتطبيق الشريعة الإسلامية، ثم سقطت بعد هزيمتها من قوات ابراهيم باشا عام (1233هـ).([41])
ثم تأسست الدولة السعودية الثانية على يد الأمير تركي بن عبدالله عام (1240هـ)، امتداداً للأساس الذي قامت عليه الدولة السعودية الأولى، ثم سقطت بعد الهزيمة التي ل*قتها من ابن رشيد عام (1309هـ).([42])
وأما الدولة السعودية الثالثة فقد تأسست في اليوم الخامس من شهر شوال عام (1319هـ)، فقد تمكن الملك عبدالعزيز بن عبدالر*من بن فيصل آل سعود من استرداد الرياض، وكان لهذا ال*دث التاريخي أثره في قيام الدولة السعودية وتو*يد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية، منها: تو*يد جنوب نجد وسدير والوشم عام (1320هـ)، والقصيم عام (1322هـ)، والأ*ساء عام (1331هـ)، وعسير عام (1338هـ)، و*ائل عام (1340هـ)، إلى أن تمكن من ضم بقية الأجزاء والإعلان عن قيام الدولة السعودية بتاريخ 21 جمادي الأولى عام (1351هـ).([43])
وكان لدعوة الشيخ م*مد بن عبد الوهاب الأثر الواض* في قيام هذه الدولة، امتداداً للدولة السعودية الأولى والثانية، *يث تأسست على الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، والدعوة إلى التو*يد والبراءة من الشرك وأهله، وم*اربة البدع والخرافات، ونشر العلم الشرعي والعناية به وبأهله. ([44])

من أساليب ووسائل الدعوة في الدولة السعودية:
لا شك أن كثيرًا من الوسائل والأساليب في العهد السعودي كانت موجودة فيما مضى من العصور كمجالس العلم والوعظ وتأليف الكتب وغير ذلك مما سبق التطرق إليه في العصور السابقة، إلا أن ثمة وسائل مل*وظة في العهد السعودي الثالث، ويمكن التنبيه عليها في النقاط التالية:
1. الدعوة من خلال منظمات وهيئات متخصصة: سواء كان عبر المؤسسات الرسمية للدولة كوزارة الشؤون الإسلامية *يث تعمل على تنظيم الدروس والم*اضرات وبعث الدعاة وطباعة الكتب والمصا*ف وترجمة الكتب النافعة وتعيين الأئمة والخطباء وبناء المساجد والمراكز الإسلامية في الدول الأخرى وغير ذلك، أو كان عبر منظمات م*لية أو عالمية كمنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي، والجمعيات الخيرية، ون*و ذلك، ولكل جهة مما ذكر جهود دعوية مختلفة، إما علمية أو إغاثية أو معنوية وغير ذلك.
2. الوسائل ال*ديثة في الدعوة: كوسائل الإعلام المعاصرة من البرامج المرئية والإذاعية ومواقع الإنترنت والص*ف والمجلات، وال*اسوب وما يتصل به من البرمجيات التي تفيد الدعوة، ولا شك أن الوسائل ال*ديثة لا يخلو بعضها من سلبيات.
3. تنظيم التعليم وافتتا* المدارس ال*كومية، وإدخال تعليم البنات مع إشراف المشايخ وأهل العلم والفضل على وضع المناهج، ومن ذلك إنشاء الجامعات في أغلب مدن المملكة وا*توائها على التخصصات الخادمة للعلم والدعوة.
4. المسابقات القرآنية الم*لية كمسابقة الملك سلمان أو عالمية كمسابقة الملك عبدالعزيز بالإضافة إلى الدورات العلمية المكثفة، والدورات القرآنية المكثفة، ودورات *فظ السنة النبوية.

من مشكلات الدعوة في العصر السعودي:
ي*تاج الداعية في إنهاء المشكلات إلى التعامل معها إلى علم و*كمة وصبر وثبات، و*لها بالطرق الص*ي*ة، والمشكلات والعوائق لا بد من معرفتها والتعامل معها ليكون العمل الدعوي مثمرًا، منها:
1. مشكلات وعوائق داخلية، منها: قلة الدعاة بسبب قلة الدروس والتعليم، وضعفت هذه المشكلة بعد تنظيم التعليم وافتتا* المعاهد والجامعات فتخرَّج بذلك ألوف الدعاة وطلاب العلم الشرعي.
2. مشكلات وعوائق خارجية، منها: علماء الضلال الذين ي*اربون الدعوة السلفية، وغالبهم إما روافض أو متصوفة، والدعوات الهدامة كالقومية والاشتراكية والعلمانية وغيرها.

! ! !

أسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا جميعاً من المقبولين،
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا م*مد وعلى آله وص*به أجمعين.