بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :-

(( لقب الشيخ، ما هو معناه؟))

بمناسبة تكرار ذكر كلمة شيخ، فإن كلمة شيخ تطلق إطلاقا لغويا، وإطلاقات اصطلاحية.
أما الإطلاق اللغوي فالشيخ من استبانتْ فيه السن وظهر عليه الشيبُ. وقد وردت في قوله تعالى: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) وقوله تعالى: (قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) وقال جل وعلا: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
وقال الشاعر: زعمتني شيخاً ولست بشيخ ،،، إنما الشيخ من يدب دبيبا
أما الإطلاق الاصطلاحي فهو على عدة نواحي:
الناحية الأولى: هو مصطلح عند المحدثين، يطلقونه بشكل عام على كل من روى لغيره حديثا، ولا يشترط فيه هنا السن أي المعنى اللغوي، فقد يكون الابن شيخ أبيه ما دام قد روى أبوه عنه.
وللمحدثين تعريفات أخرى للشيخ غير الإطلاق العام، فمثلا يطلقون كلمة شيخ على من هو مقل في الرواية لغيره، أو قلت الرواية عنه، ومن لم يكن من أهل العلم.
قال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام) (4/627) في بعض الرواة : (فأما قول أبي حاتم فيه : “شيخ” فليس بتعريف بشيء من حاله إلا أنه مقل، ليس من أهل العلم ، وإنما وقعت له رواية أُخذت عنه) .
كما اعتبر بعضهم كلمة شيخ نوعا من التعديل، قال الذهبي في مقدمة (الميزان) (1/3-4) : (ولم أتعرض لذكر من قيل فيه : “محله الصدق” ، ولا من قيل فيه: “لا بأس به” ، ولا من قيل فيه: “هو شيخ” أو: “هو صالح الحديث”؛ فإن هذا باب تعديل) .
وقال: (اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاقُ اسم “الثقة” على من لم يُجْرَح ، مع ارتفاع الجهالةِ عنه ؛ وهذا يُسمَّى : مستوراً ، ويُسمىَّ : محلهُّ الصدق ، ويقال فيه : شيخ) وقال الزركشي في (نكته على ابن الصلاح) (3/434) : (قال الحافظ جمال الدين المزي : المراد بقولهم “شيخ” أنه لا يترك ولا يحتج بحديثه مستقلاً
وقد تتجاوز الكلمة كبر السن لتطلق عليه مع وجود الخبرة، أو التبجيل كإطلاقها على شيخ جماعته أو مثل ذلك.
فقد قال الأصبهاني في المفردات: (يُقال لمن طَعَن في السن: الشيخ، وقد يُعبر به فيما بيننا عَمَّن يَكْثُر عِلْمه لما كان من شأن الشيخ أن يَكثر تجاربه ومعارفه) ونلاحظ ارتباط السن بالعلم كما بين الأصبهاني، لأن صغير السن يفقد الخبرة، والخبرة هي العلم مع الزمن.
وقد يُطلق من باب التبجيل قال الفيروز آبادي في القاموس: وشَيَّخَهُ: دَعَاهُ شَيْخاً تَبْجيلاً، وقال ابن منظور في لسان العرب : وشَيَّخْته: دَعَوْتُه شَيْخاً للتبجيل .
أما الإطلاق الرابع لكلمة شيخ فهو ما ابتلينا به في زماننا وهو إطلاق الكلمة كمنصب علمي على من يتحدث بالدين ويشرح أحكامه، أو من لديه شهادة علمية، أو تصدر للخطابة فهذا ظلم للكلمة وإليك البيان:
لعله من الصدق في فهم الواقع أن نقول أنه كلما ازداد الجهل بين الناس، كلما ظهر فيهم من يتصدرهم بما عنده من علم ولو كان يسيرا، ولو كان ملوثا، ألا ترى أننا لو أخذنا أي شيخ من مشايخ هذا الزمان مهما علا، وألقيناه في القرن الثالث بين علماء ذاك الزمان، فهل سيعتبر شيخا؟ أم طالب علم، أم جاهل. لا شك أن الكثيرين منهم لن يكونوا أوفر حظا من عوام ذلك الزمان.
ولذلك فإن وصف الشخص بأنه شيخ كلقب علمي، لا يعني شيئا، بل ربما يعني جهله إن كان من حوله ممن وصفوه جهلة.
ولذلك ترى الشاب يتخرج من الجامعة ولم يتجاوز الخامسة والعشرين، وبمجرد أن يصبح إماما لمسجد أو خطيبا، أو متحدثا في الإذاعة أو في القناة الفضائية تراه صار شيخا يفتي في الدين وله من التلاميذ من يركضون وراءه.
وهذا وربي قمة الانحدار في العلم، إذ إن الذي شيخه هو جهل من حوله وليس ما عنده من علم.
والناحية الأخرى هي أن إضفاء هذا اللقب العلمي على الشخص يجعل الناس تصدق بالفعل أنه شيخ وبالتالي تبدأ تأخذ دينها منه.
قناة روش

ولذلك فإن كلمة شيخ كلقب علمي كلمة عزيزة، لا يصح أن تطلق على أي شخص، ولا يصح أن يدعيها أي شخص، ومن يطلق هذا اللقب على الآخرين بدون تثبت فإنه يساهم في هذا الانحدار الذي تهوي به أمتنا.
أما لقب شيخ الإسلام فإن أول من أطلق عليه شيخ الإسلام كما جاء في بعض الروايات أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد ذكر السيوطي رحمه الله في كتابه “تاريخ الخلفاء” أثرا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ذكر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: هما شيخا الإسلام.
ومن أوائل من أطلق هذا اللقب هو الإمام أحمد عندما قال لرجل: أخرج إلى أحمد بن يونس؛ فإنه شيخ الإسلام. تهذيب التهذيب (1/44)
كما صار هذا اللقب يطلق على من يتولى مشيخة القضاء في العصور المتأخرة، كما هو في مصر والشام، فقد جاء في شذرات الذهب لابن العماد (1/7) في ترجمة كمال الدين محمد بن علي القاهري الشافعي قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية الشهير بالطويل الإمام العلامة شيخ الإسلام فقال: كان في صباه يلعب بالحمام في الريدانية، ثم ترك ذلك واشتغل بالقراءة والعلم وعاش حتى تولى مشيخة الإسلام. قال ابن العماد: وهي عبارة عن قضاء القضاة …اهـ.
وللشيخ ابن ناصر الدين الدمشقي كلام جميل في هذا الموضوع وهو ما يتعلق بكلمة شيخ الإسلام في كتابه الرد الوافر: (وَمِنْهَا أَن مَعْنَاهُ الْمَعْرُوف عِنْد الجهابذة النقاد الْمَعْلُوم عِنْد أَئِمَّة الإسناد أَن مَشَايِخ الإسلام وَالْأَئِمَّة الأعلام هم المتبعون لكتاب الله عز وَجل المقتفون لسنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذين تقدمُوا بِمَعْرِفَة أَحْكَام الْقُرْآن ووجوه قراآته وَأَسْبَاب نُزُوله وناسخه ومنسوخه وَالْأَخْذ بِالْآيَاتِ المحكمات والإيمان بالمتشابهات قد أحكموا من لُغَة الْعَرَب مَا أعانهم على علم مَا تقدم وَعَلمُوا السّنة نقلا وإسنادا وَعَملا بِمَا يجب الْعَمَل بِهِ اعْتِمَادًا وإيمانا بِمَا يلْزم من ذَلِك اعتقادا واستنباطا لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوع من الْكتاب وَالسّنة قَائِمين بِمَا فرض الله عَلَيْهِم مُتَمَسِّكِينَ بِمَا سَاقه الله من ذَلِك إِلَيْهِم متواضعين لله الْعَظِيم الشأن خَائِفين من عَثْرَة اللِّسَان لَا يدعونَ الْعِصْمَة وَلَا يفرحون بالتبجيل عَالمين أَن الَّذِي أُوتُوا من الْعلم قَلِيل فَمن كَانَ بِهَذِهِ الْمنزلَة حكم بِأَنَّهُ إِمَام وَاسْتحق أَن يُقَال لَهُ شيخ الإسلام) .
ولا يعني هذا أنه لا يوجد عندنا في هذا الزمان شيوخ وعلماء، بل يوجد، وهم يحملون هذه الألقاب بجدارة متناهية، لأنهم درسوا الإسلام عقيدة وأحكاما ولغة عن علماء، فحفظوا المتون وشروحها، وصاروا أهلا للإفتاء بل وللاجتهاد، وهم بمفازة من حديثنا هذا، حفظهم الله ونفع الله بهم، ولكنهم على كل حال قلة، وهم وإن كثروا فإنهم بمنأى عن الشهرة والظهور.
عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربوا فيها الصغير ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة فإن غيرت يوما قيل هذا منكر. قال (السائل) ومتى ذلك؟ قال ابن مسعود: إذا قلت أمناؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتفقه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة) [المنذري بإسناد صحيح]

********