قصة حكمة الرجل العجوز
هناك مثل إنجليزي شهير يقول : كل شيء تكتشفه بتقادم العمر هو موجود من قبل ولكنك كنت أصغر من أن تراه ، في قرية بأعالي الجبال بالهند كان هناك رجل عجوز يعيش بجبال الهيمالايا ، وكان لديه من الحكمة والمعرفة الكثير والكثير وذات مرة قرر العجوز القيام بزيارة للقرى المحلية الموجودة في الأرجاء ، وخلال زياراته للقرى المحلية كان يلتقي القرويين ويسليهم أحيانًا بقدراته .

كانت قدرته على إخبار أي شخص بالمحتويات التي يحملها في جيبه دون النظر إليها كبيرة ، كما كان يخبرهم أيضًا بالأشياء التي يفكرون فيها أو ينوون القيام بها ، لهذا وثق فيه القرويين وكانوا يقومون بزيارته ليعرضوا عليه مشاكلهم ، ويطلبون منه المساعدة في إيجاد الحلول اللازمة لها .

كان كل واحد في القرية يعرف عن موهبة هذا الرجل العجوز الحكيم ، لذا فكر مجموعه من الصبية الصغار في المزاح معه والتلاعب به ، حتى يتمكنوا من التشكيك في قدراته أمام القرويين ويثبتوا للجميع أنه مزيف ، وأدرك أحد الصبية أن الرجل العجوز سيكون قادرًا على الإجابة عن الشيء الذي سيحمله في يده ، لذلك جاء الصبي بفكرة لخداع هذا الرجل العجوز الحكيم .

وكانت فكرته أن يمسك طائرًا في يديه ويضعه خلف ظهره ، ثم يسأل الرجل العجوز عن الشيء الذي يحمله بيده ، وكانت خطته حينما يذكر الرجل العجوز الشيء الذي كان يحتجزه في يده ، أنه سيسأله على الفور إذا كان هذا الطائر على قيد الحياة أو ميتًا ؟ إن قال الرجل العجوز إن الطائر على قيد الحياة ، فسيسحق الصبي رقبة الطير ويريه الطير الميت وهذا بالطبع يثبت خطأه .

و إن أجاب الرجل العجوز وقال أن طائره ميت فإنه سيترك الطائر ليطير بعيدًا ويحلق أمام الجميع ، و بهذه الطريقة يمكن أن يثبت للجميع أن الرجل العجوز خاطئ ومحتال ، وفي الأسبوع التالي حينما جاء الرجل العجوز إلى القرية وتجمع حوله الناس ليستشيرونه في أمورهم ، سرعان ما أوقع الصبي طائرًا صغيرًا وعقده بين يديه خلف ظهره حتى لا يستطيع الرجل العجوز رؤيته .

ثم ذهب إلى الرجل الحكيم وقال له : هل تستطيع أن تقول ما في يدي؟ فأجاب الرجل العجوز : لديك طائر فسأله الشاب مرة أخرى : هل هو ميت أم حي ؟ فأجاب الرجل العجوز ثانية : إنه كما تختار له ، اندهش الشاب من رد الرجل العجوز ، وتيقن من حكمته وقدرته على الإلمام بخفايا الأمور وأن ما يفعله ليس مجرد مصادفات أو تكهنات ، ولهذا فإن جميع من في القرية يثقون به ويعتبرونه قدوة لهم ، خجل الشاب من نفسه كثيرًا واعتذر للحكيم عن غطرسته ثم غادر في هدوء .

القيمة الأخلاقية المستفادة :
لا تقلل من قيمة الآخرين خاصة كبار السن لأنهم يعرفون حتمًا أكثر مما تعرف أنت .


قصة حارس القطيع
على مدى عشر سنوات أو أكثر كان زغران ، يمشي وراء القطيع ويحميه من الذئاب والواوية والحرامية ، وخلال هذه المدة التي تولى فيها زغران الحراسة ، لم ينقص القطيع ولا رأسًا .

زغران حارس القطيع :
في الحر والبرد ، كان زغران بخاصرتيه المجوفتين وفمه الواسع وشدقيه المتهدلتين من قسوة العظام العارية الآدام والنباح ، حارسًا شديد البأس والوفاء والأمانة لصاحب القطيع وقطيعه وأهل بيته ، هذه المهمة القصوى التي أوكلت له ، جعلته دائم القلق والتوتر ، يشنف أذنيه وحواسه الأخرى ليتفادى الأخطار المباغته التي من شأنها المساس بأصحابه ، قبل وقوعها ، ولذلك كان بالكاد يغمض له جفن ، كما أنه لا يتمادى بأحلامه بعيدًا عن مؤخرة القطيع ، وعتبة الدار والعظمة العارية كالريح الملقاة اليه ، إلى أخرى مكتظة باللحم والدهن .

نكران الذات والوفاء :
كما كان يطمس بقهر رائحة زغرانه ، التي تهف اليه من مسافات بعيدة وتدعوه بإلحاح إليها ، كأنه أدرك بفطرته الكلبية المجبولة على نكران الذات ، والوفاء والإخلاص للصاحب : أن قدره أن يكون زغران حارس القطيع ، ولا شيء غيره .

الحراسة :
وعندما كان القطيع يعود إلى حظيرته سالمًا في آخر النهار ، كن زغران يستلقي على جنبه أمام عتبة البيت مطمئن البال ، يمد قوائمه المتعبة ، يغمض عينه نصف اغماضه ، ويستلقي قليلاً قبل قدوم الليل ، الذي يعني له بداية الشوط الثاني من الحراسة كان زغران معنيًا بسلامة عالمه وناسه الذين قصّوا له ذنبه المعوج بالمقص لأنه لا يتقولب إلى الاستقامة التي يطمحون اليها ..

ولو وضعوه في القالب أربعين سنة ، يومها كان زغران جروًا ، نبح نباحًا مؤلمًا ونزف دماءً كثيرة من عصّه ، ومع الأيام تأقلم مع وضعه الجديد ، حتى أنه نسي ذنبه وشكله والآلام التي سببها اجتزازه منه ، وازداد تعلقًا بصاحبه وقطعانه .

السهرات :
بقدوم الصيف يكبر ضوء القمر ، وتكثر السهريات على السطحيات ، تعج سطحية صاحبه بالأصدقاء الذين كانوا يتحدثون بأصوات عالية وكلمات مبهمة ، لا يفهم زغران معظمها وهو مستلقي أمام باب البيت ، رغم ذلك كان يشنف حاسة شمه وأذنيه لكي لا تفوته ولا كلمة من تلك الأحاديث .

المديح :
يقاوم اغراء الرقاد ليسمه اسمه ينطلق من فم صاحبه ، وهو يكيل له المديح ، ويقول عنه أمام الجميع ، أن أصل الزغران كان ذئبًا ، وأنه أصبح زغران منذ أول عظمة رماها له وتمزق شدقاه وتدمى فمه من قسوتها ، لم يكن لزغران ذنب ليهلل به طربًا على مديح صاحبه له ، وفي نفس اللحظة كان زغران يغتم وتقطر نفسه حسرة من أصحاب القطعان الذين حولوا الذئاب إلى كلاب! وليتهم اقتصروا على هذا .

فصاحب القطيع وأهله وجيرانه وكل سكان القرية ، اذا أرادوا أن يوجهوا الشتائم والسباب والتحقير لشخص دون غدر بهم يقولون له : كلب ابن كلب ؟؟ .. يحتار زغران : كيف يتهمونه بالغدر وهو على هذه الدرجة من الوفاء ؟ غريب أمر هؤلاء البشر الذين لا يخجلون من لصق صفاتهم بالكلاب !! ..

الشيخوخة :
بعد عشر سنوات كبر زغران وهرم ، أقعدته الشيخوخة ، وقاعسته عن الحراسة والنباح والسهر ، يومان فقط من التقاعد القسري ، خبت فيهما عيناه وكل جسده ، ونباحه إلى حشرجة وأنين ، ليس من حق كلاب الحراسة التقاعس والتقاعد يا زغران ، حتى وإن كانوا أفنوا أعمارهم وزهوتها في الحراسة .

الاستسلام للقدر والنهاية :
حاول زغرن أن ينسل من شيخوخته ومرضه ويلحق بالقطيع ، رأي صاحبه مقبلاً عليه وهو يدكّ بارودته بالخرطوش ، برك الزغران في مكانه مستسلمًا لقدره الزغراني ، قرّب صاحبه من فوهة البارودة السوداء من صدغه ثم ضغط على الزناد .



قصة حكاية لوزة
كانت تعيش لوزه مع باقي أشجار اللوز ، في حديقة جميلة ، يتنزه فيها الناس ، ويلعب فيها الأطفال بسرور بين الأشجار ، وكانت أشجار اللوز هي الأشجار الوحيدة المثمرة في الحديقة ، ولكنها لم تكن دائمة الخضرة .

لوزة وتغيير الفصول :
ففي فصل الخريف تتساقط أوراقها ، وتبقى أغصانها باردة في فصل الشتاء ، عند حلول فصل الربيع تزهر أشجار للوز كلها ، وكذلك لوزه ، وتلبس حلة جميلة من النوار الأبيض ، وتكتسي أغصانها الرفيعة المتفرعة بالأوراق الناضرة الخضراء ، التي توفر الظلال لكل من في الحديقة وتتمايل مع نسائم الصباح والمساء ، ويسمع حفيفها في كل مكان ، ليلطف الأجواء للمارة ولزوار الحديقة .

لوزة وجمالها :
وكما في كل عام كانت لوزة تتباهى دائمًا بنوارها ، الذي يسحر الأطفال الكثيرين الذين يلعبون حولها ، وكل الناس الذين يجلسون في ظلالها ، وتقول لباقي لأشجار كل يوم ، بأن الأطفال يأتون إاليها فقط ، ويفضلونها عن غيرها ، لأن ظلها وارف ونوارها وفير ، وهو أكثر جمالاً عن باقي الأشجار .

لوزة وحكاياتها :
راحت لوزة تتحدث طويلاً عن نفسها ، وعن نوارها وأن كل الأشجار في الحديقة ، ليست الا أشجار عادية ، وليست بنضارتها وشموخها وظلالها ، وليس بهم أي شيء مثير مثل ما هي لديها ، وليس لديهم شيء يتباهون به ، وتقول وتنسج الأقاويل والحكايات باعتزاز كبير عن نفسها !

أشجار اللوز والحديقة :
أما أشجار اللوز في الحديقة ، فكانت تستمع إلى حديث لوزة الطويل المتواصل ، بينما تنظر بفرح للأطفال من حولها ، وتظلل بتواضع كل الناس ، دون الاكتراث لحديث لوزة ، ودون أن تكثر الحديث عن جمالها أو ظلالها ، أو ارتفاع أغصانها المكسو بالنوار الكثير ، بل كانت تكتفي بأن تتمايل أغصانها الكثيفة مع نسايم الحديقة لتلطف الجو ، لكل الذين من حولها .
قناة روش


الريح العاصفة :
في أحد الأيام هبت ريح قوية ، عصفت بكل ما في الحديقة ، فخاف الأطفال وأسرعوا إلى بيوتهم القريبة ، ليتقوا الريح الشديدة ، وراحوا ينظرون إلى الأشجار التي تميل يسارًا ويمينًا ، مع الريح خلف نوافذ بيوتهم ، اشتدت الريح وراحت تهز الأشجار بغضب وقوة ، أما أشجار اللوز فوقفت بعزم كبير أمام الريح ، وأسرعت لتتشابك أغصانها مع بعضها البعض ، لتحمي نوارها وأوراقها من الريح العاصفة .

لوزة والريح العاصفة :
أما لوزة فلم تمد أغصانها لتتشابك مع أغصان الأخريات من أشجار اللوز في الحديقة ، وراحت الريح تضرب أغصان لوزة من كل صوب وحدب ، فسقط الكثير من نوارها وهرب منها الأوراق الخضراء المتساقطة ، واختبأ بين الأعشاب فوق التراب .

معاناة لوزة :
ظلت لوزة تصرخ بصوت مرتفع ومتقطع ، بينما تواجه الريح ، بأنها الأفضل وبأنها لا تحتاج أن تحتميّ بالأشجار من حولها ، وبأن نوارها لم يحمل الثمر الأوفر كما في كل سنة ، ولا تحتاج إلى أي مساعدة من الأشجار التي لا تصمد وحدها ، حسب قول لوزة ، والريح تشتد وتضرب الأغصان دون هوادة .

لوزة مازالت تتباهى :
بعدما رحلت العاصفة إلى قلب الفضاء وهدأت الريح ، نظرت لوزة إلى النوار الكثير الذي تساقط ، فوق تراب الحديقة ، غصت لكنها تسارعت لتتباهى ، بأنها انتصرت وحدها في مواجهة الريح القوية وحدها ، ومازالت الأجمل بين أشجار اللوز في الحديقة ، ورغم العاصفة مازالت أكثر الأشجار نضارة وأوفرها نوارً وثمرًا .

أسف باقي أشجار اللوز على نوار لوزة :
أما باقي أشجار اللوز في الحديقة فشعرت بالأسف ، حين رأت النوار الذي سقط على الأرض بسبب الريح القوية ، ولكنها كانت فخورة بصمودها ، ورفعت أغصانها نحو الشمس الدافئة ، ونشرت أغصانها لكل الجهات لتظلل المكان ، وشعرت بالرضا لأنها استطاعت أن تحمي أكثر النوار وتحافظ عليه ، فوق أغصانها .

فصل الربيع :
في نهاية فصل الربيع ، نضج النوار الجديد وأصبح لوز أخضر شهيًا ، وانحنت أشجار اللوز الثقيلة من كثرة ما تحمل من الثمر ، تدلت أغصان أشجار اللوز متواضعة لتقدم من لوزها الناضج الشهي ، لجميع كل من في الحديقة ، فتراكض تحت ظلالها الأطفال ، واستراح الناس وأكلوا اللوز الأخضر وباركوا خير تلك الأشجار .

لوزة ذلك الموسم :
أما لوزة لم تحمل أغصانها إلا بعض حبات اللوز ، لأن أكثر نوارها قد سقط على الأرض منذ أن هبت الريح القوية ، وظلت لوزة تتباهى بكثرة أوراقها ، وتهز أغصانها الخفيفة عالية في الفضاء ، لا تحمل أي ثمر ولا تظلل الحديقة ، وراحت تقول بأنها مازالت الأجمل ، وتتساءل : لماذا لا يلعب الأطفال حولي ؟ لماذا لا يجلس الناس تحت ظلالي الوارفة ؟ .. فلم يلعب الأطفال حولها ، ولم يجلس الناس تحت ظلالها ، ذلك الموسم .