تؤمن البشرية قاطبة، كانت ولازالت وستكون، بعالم الماديات، أو عالم الشهود أحد أوجه عملة الحياة الدنيا، وقليل منها يؤمن بعالم الروحيات أو الماورائيات، أو عالم الغيب وهو الوجه الثاني للعملة، بيد أن هذا الكثير من ذلك القليل، يحلم في منامه، إلا ما شذ وندر، وهذا الشاذ أقرب الى المرض منه الى الصحة، والحلم انعتاق من أسر الماديات، وقلع لأوتادها من جذورها، يقفز فيه الحالم الى مديات خيالية في ثوانٍ معدودة أو أقل من ذلك، فيسبح ويطير ويعرج خارج مدارات الماديات، ويخترق حزمات الجاذبية ودوائرها، فيؤمن باطنه أثناء النوم بالماورائيات، دون أن يؤمن في واقعه ويقظته.
ولعل الأحلام، بغض النظر عن أضغاثها من صادقها، هي واحدة من الوثائق الحية التي يعتاشها الانسان كل يوم بشكل عام، تدحض النظرية المادية الخالصة، التي تنزع عن الحياة الدنيا روحانيتها وغيبها، فالمؤمن بعالمي الغيب والشهود يحلم، والمؤمن بعالم الشهود دون الغيب يحلم هو الآخر، فالأول يؤمن ظاهره وباطنه بعالم الماورائيات، والثاني يكفر ظاهره ويؤمن باطنه، والحق مع باطنه البعيد عن شد الدنيا وجذبها.
أمّا كيف يحلم الاثنان، وكيف يتفقان في عالم النوم ويختلفان في عالم اليقظة، وما هو منبع الحلم؟ وما الفرق بين الحلم والرؤيا؟ وما علاقة الرؤيا بالروح والنفس والعقل؟ هذه الأسئلة وغيرها، يجيب عليها الكتاب الذي صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 272 صفحة من القطع المتوسط، الموسوم بـ "الرؤيا بين الحقيقة والوهم" من أعداد الباحثة اللبنانية، المختصة بالأدب العربي، الآنسة سهام علي عسّاف، الذي هو في حقيقته، المقدمة العلمية لكتاب "الرؤيا .. مشاهدات وتأويل" وهو أحد أجزاء دائرة المعارف الحسينية من تأليف الفقيه الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي، التي صدر منها (32) مجلدا حتى الآن.
ولكن ما الذي شدّ الباحثة الى استقطاع المقدمة من الكتاب الأم وإعدادها في كتاب مستقل، والتهميش بما أمكن؟
تقول الآنسة عسّاف، وهي تتحدث عن تجربتها الشخصية في مراقبة لما يُنضد ويُصف من مجلدات دائرة المعارف الحسينية، خلال عملها في قسم التحقيقات في مؤسسة الوفاء في بيروت منذ عشرين عاما: "اطلعت لحد الآن على أكثر من خمسين مجلدا من مجلداتها، فوجدتها فاقت أفق التصور، وهي في الواقع غنية عن التعريف، ولكن الذي أريد قوله، أنها متعددة الأغراض ومتنوعة المعلومات، وهي بحق دائرة معارف"، وعن مقدمات كل باب من أبواب الموسوعة الستين في نحو 600 مجلد، تضيف المعدة: "وما شدّني إليها تلك المقدمات التي يعدها سماحة المؤلف لكل فصل من فصول موسوعته العملاقة، والتي تعد منهلا سائغاً في علم من العلوم أو فنّاً من الفنون، فتجده فارسا من فرسان العلم والمعرفة، يخوض ميادينها بكل ثقة ودراية، ويصل الى ساحل محيطها بانسياب وراحة"، وعن مقدمة مجلد "الرؤيا ... مشاهد وتأويل" تضيف المعدة: "وما شدّني إليها هو كشف الغموض عن كثير من المسائل المرتبطة بهذا الجانب، أعني به الرؤيا والأحلام، والجدل القائم بين أنصار القديم والحديث، فلقد وجدت فيها ما هو بلسم لكثير من الحالات التي فتحت الجراحات بين الرافضين لأصل فكرة الرؤيا وبين المتمسكين بها الى حد الوهم".
وعلى طريقة الهرم في تناول الموضوع، يبدأ الفقيه الكرباسي في بحث الجزئيات وصولا الى الكليات وخلاصاتها وما تفرزه من نتائج على مستوى التحقيق العلمي والفهم المعرفي، فيشرع عند تناول موضوع الرؤى والأحلام، في شرح "النوم في اللغة". وملاحظة "النوم .. مرادفاته ومراتبه" من الخفقة والنعاس والكرى والسِّنَة والغفوة والرقاد والسبات، ويرى أن التراتبية في عموم النوم يبدأ من: "كري فخفقة تدل على النعاس تتلوها سِنَة فغفوة فنوم فرقاد فسبات". وبيان "النوم ... تعريفه" من خلال تعريفات الفقهاء والرواة والمفسرين والفلاسفة والأطباء وعلماء النفس واللغة وغيرهم، ويرى المصنف أن النوم في العموم: "حالة صحية تعتري الإنسان عادة بعد عناء النهار، وهو يحتاج إليه ليريح جوارحه وأعضاءه فترة زمنية تناسب حاله ليتسنى له الاستمرار في عمله". ويبحث في "النوم ... أقسامه".
وتحت عنوان "دورة النوم واليقظة في الأحياء"، يتطرق المصنف الى دورات النوم والصحوة عند المخلوقات، عند الانسان والحيوان والنبات، وما تتركه المؤثرات الموضوعية من ضوء وشمس وأصوات وغيرها، على دورتي النوم واليقظة، وبيان المراحل العمرية للإنسان وحاجة كل مرحلة من ساعات نوم وراحة.
ومن المسلّم به أن النوم حاجة ضرورية للمخلوقات، كحاجتها للماء والغذاء والهواء، وهي حاجة صحية تماما، والاستثناء وهو أندر من النادر، يعد حالة مرضية بلا شك يحتاج صاحبها الى طبيب عام او طبيب نفساني، ولمعرفة "نظرة العلم الحديث الى النوم"، يقوم المصنف، بتشريح النوم من الناحية العلمية داعما ذلك برسومات وجداول بيانية، توضح ما يطرأ على الجسم البشري من تحولات لها تأثيرها المباشر وغير المباشر على النوم، ويورد أهم النظريات في العامل أو العوامل المؤدية الى النوم، ويرد ما يراها غير سليمة ومجانبة للواقع، وهي: نظرية التسمم الذاتي (النظرية الكيمياوية)، ونظرية مركز النوم العصبي (النظرية العصبية)، ونظرية شبكة النوم واليقظة (النظرية الشبكية)، ونظرية التوعية الدموية (النظرية الفيزياوية)، ونظرية الإثارة والكف (النظرية التذبذبية)، ونظرية النوم عادة وراثية (النظرية الوراثية)، ونظرية القوة الروحية (النظرية الروحية). ويخلص المصنف من كل هذه النظريات وتحت عنوان "حقيقة النوم"، الى التأكيد بأن النوم: "حقيقته خفية علينا وعلى الأقل حتى الآن، وكل ما ذكروه من نظريات سواء الكيمياوية أو الروحية أو الفيزيائية أو الشبكية أو العصبية أو التذبذبية أو الوراثية فإنها وان لم تكن بعيدة عن حقيقته إلا أنها ليست حقيقته تماما، وإنما هي أمور ملازمة له وأدوات مسيرة لعملية النوم واليقظة، ولا شك أنها من أمر ربّي"، و يبقى أن النوم نعمة من الله عز وجل.
والنوم ليس انتقالة مباشرة وآنية من حالة الى حالة، وإنما يمر الانسان خلال دورتها بمراحل عدة، منذ أن يريح رأسه على وسادته حتى النهوض ثانية، وهذا ما يبحثه المصنف تحت عنوان "النوم ... مراحله"، فيعتقد أن الانسان عند النوم يمر بست مراحل، الأولى لا تعد منها ولكن يمكن حسابها كنقطة الصفر، وهي: المرحلة التمهيدية، النوم الخفيف، النوم المتوسط، النوم العميق، النوم الأعمق، والنوم غير المألوف، ولكل مرحلة وقتها ودقائقها قد تصل الى 90 دقيقة، على أن المراحل الأربع الأخيرة تصاحبها حركة بطيئة للعين عكس المرحلة الثانية، كما إن الأحلام والرؤى تحصل عادة في اللحظة التي تسبق الاستيقاظ مباشرة.
ولاشك أن لوضعية الجسم أثناء النوم علاقة مباشرة بنوعية الأحلام والرؤيا، وهذا ما يبحثه المصنف تحت عنوان "الطريقة المثلى للنوم"، فيشير الى أنواع النوم، وهي: النوم على البطن، وهو غير محبذ إذ يؤدي الى مضاعفات في الأمعاء والرئة والجهاز التناسلي وسائر الأحشاء وفقرات الرقبة، وينتج أحلاما غير مرغوبة. والنوم على الظهر، وهو محبب عند البعض. والنوم على الجانب الأيمن، وهو مفضل، ولكن لا يعني هذا عدم أفضلية غيره، لان إثبات الشيء لا ينفي ما عداه. وأخيرا النوم على الجانب الأيسر، وهو غير مفضل، وبشكل عام فان النوم على الجانب الأيمن هو الأفضل، حتى من الناحية الطبية حيث يقع القلب في الجانب الأيسر فيكون حرا غير مضغوط عليه، وكان من عادة النبي محمد (ص) أن ينام على الجهة اليمنى ويضع خده على كفه الأيمن.
وتحت عنوان "التنويم المغناطيسي .. النوم بالإيحاء"، يستطرد المصنف في شرح هذا النوع من النوم بوصفه طارئا على الانسان، وبوصفه من الإيحاء عبر وسيط. وفي "تاريخ التنويم المغناطيسي" يعود المصنف به الى تاريخ سحيق، و:"قيل انه يعود الى الكلدانيين والبابليين والإغريق وغيرهم، ولكنه لم يكن معروفا بهذا الاسم وقد استخدمه بعض علماء المسلمين وغيرهم ضمن علم السحر تارة، وعلم الطب تارة أخرى، وقد عبروا عنه بالتسخير، فكان التسخير من فنون السحر الذي اعتمده العلماء في أبحاثهم العلمية، وقد عبروا عنه بتسخير الأرواح"، هذا في القديم، أما في العصر الحديث فان الفيزيائي النمساوي، فرانز انطون مسمر (Franz Anton Mesmer) ( 1734-1815م)، أثبت علميا في العام 1775م هذا النوع من النوم وحيثياته، واعتبر أن في الانسان سيالا مغناطيسيا له أثره في تنويمه، وكان الفيزيائي الإنكليزي الدكتور جيمس بريد (James Braid) (1795-1860م)، أول من أطلق عليه في العام 1841م إسم "hypnotic trance"، أي الغشية المغناطيسية أو التنويم المغناطيسي كما هو المشهور.
ولمّا كان التنويم المغناطيسي ينطوي على الإيحاء، فان المصنف تحت عنوان "الوحي" يفصّل القول في مفهوم الوحي من جانبه الديني، والفارق بين الإلهام والوحي. ليدخل من هذا العنوان الى عنوان "حقيقة التنويم"، ليقرر: "إن التنويم المغناطيسي بما انه نوم اصطناعي فلا يجوز شرعا استخدامه إلا لحالات استثنائية علاجية، وهذا يقودنا الى مسألة شرعية أخرى أن المنوّم اذا قام بعملية التنويم من غير رضا الطرف الآخر فإذا اقترف شيئا فهو المسؤول عن تلك الأعمال ويعاقب دون النائم، وإذا كان برضاه فكلاهما مسؤولان"، ويخلص المصنف بشأن الوسيط في عملية التنويم الى: "إن الروح هو الذي يمكنه كشف ماضي الشخص بمراجعة مخزون الذاكرة من جهة ومن الاتصال بأرواح أخرى والاستفسار عما يوجهه المنوم بالإضافة الى كشف ما لدى الأرواح من معلومات حول المستقبل من جهة أخرى"، وبالتالي فان التنويم المغناطيسي عبارة عن: "عملية تسخير الروح الإنسانية في حال حياة جسمه، وأداته الإيحاء وأثره الطاعة، وإذا ما كان صادقا فلا يخضع النائم إلا للنوم ولا يصغي إلا لكلام المنوِّم بل يسمع غيره".
ومن الطبيعي، أن يكون للإرادة دور كبير أثناء عملية التنويم أو في غيرها بوصف الإرادة الإنسانية: "العزم على الشيء بقوة دون تراجع"، كما إن: "الإرادة من الأمور المرتبطة بالنفس فماهيتها معنوية والأمور المعنوية كالمادية لها درجات فكلما كانت أقوى كانت نتائجها أغرب، كما ويمكن استخدامها في الجانب الايجابي والسلبي".
وبما إن الرؤيا تتحقق عند النوم، فان المصنف يستفيض تحت عنوان "الرؤيا في اللغة والإصطلاح" في شرح معاني الرؤيا المشتقة من لفظة الرأي، فالرؤية للنظر بالعين، مثل: رأيت القمر، والرؤية للعقل للاعتقاد، مثل: رأيت الدرس مفيدا، والرؤيا للحلم في المنام، التي وردت في القرآن الكريم في سبعة مواضع. وقد يقال للرؤيا الحلم والمنام والطيف، بيد أن المصنف يجد الفرق في استخدام كل كلمة، إذ: "في الغالب يستعمل المنام في مطلق ما يراه النائم، والحلم فيما لم يكن صادقا، والرؤيا فيما اذا كان صادقا". ويورد تحت عنوان "الرؤيا في القرآن" مواضعها في المصحف الشريف، كما يورد مواضعها في السنَّة تحت عنوان "الرؤيا في الحديث".
ويتابع المصنف تحت عنوان "حقيقة الرؤيا" الأقوال الواردة في الرؤيا من الناحية العلمية والنفسية، في كتابات المفكرين والأطباء والفلاسفة في العصرين القديم والحديث، أمثال أرسطو طاليس (Aristotle’s) (384-322 ق.م) وأفلاطون (Platon) (427-347 ق.م) وفرويد (Freud) (1856-1939م)، ويتابع حقيقة الرؤيا في الأدبيات الاسلامية، ويستغرق في شرح الرؤيا الصادقة، ورؤية الأنبياء والأئمة والأولياء والصالحين، ليؤكد أن رؤيا الصالحين المعبر عنها بالمبشرات ليست حجة شرعية في الأحكام الشرعية، وكما يقول الامام جعفر بن محمد الصادق (ع): (إن دين الله تبارك وتعالى أعزّ من أن يرى في النوم).
قناة روش

ويتناول المصنف تحت عنوان "الروح"، المقصود بالروح التي تهب الانسان الحياة، باعتبارها أحد أبعاد الانسان المحيطة به غير الداخلة في أحشائه، كما هو مبنى المصنف، وبلحاظ قول الامام الصادق (ع): (إن الأرواح لا تمازج البدن ولا تواكله وإنما هي كلل للبدن محيطة به)، ولذلك فحينما يغلب النوم على الانسان تتمتع الروح: "بمساحة اكبر من الحرية إذ إن انشغالاتها تهبط وتقل من حالة اليقظة، فلها أن تبث ببعض أمواجها وإشعاعاتها وتتصل بأرواح أخرى وتبقى هي في مركزها المحيط بالإنسان".
ومن الروح ينتقل المصنف الى "النفس"، باعتبارها واحدة من أبعاد الانسان الأُخر ولها: "شفافية خاصة بعالم اللاماديات"، ووجودها يتم بعد ارتباط الروح بالجسد عبر شفرة إلهية: "والنفس يمكن تنميتها لتصل الى أعلى درجات الكمال وهي أيضا يمكنها أن تتلون بألوان عدة، وهي كذلك تموت بفك الارتباط، كما أنها تأتي بإعادة الارتباط"، ولكن مع هذا فان النفس حالها حال الروح بقي كنهها عصي على الفهم والإدراك الكلي، نعرفها بآثارها.
ومن النفس ينتقل المصنف الى "العقل" بوصفه: "القوة التي تقيّم الأمور وتزنها وتختار ما هو الأنسب والأصح في الموقع المناسب"، وهو يحل في المرتبة الثانية بعد الروح لقيادة الانسان، ويأتي بعده القلب. ويشرح في هذا المبحث علاقة العقل بالرؤيا، من الناحية العقلية والنفسية والفسيولوجية.
ومن العقل، ينتقل المصنف الى "الحاسة السادسة" التي تقال للإدراك الحاصل خارج دائرة الحواس الخمس (البصر والسمع والشم والتذوق واللمس)، ودورها في تحقق الرؤيا.
وفي مبحث مستقل تحت عنوان "نسيان الرؤيا"، يعدد المصنف الحالات التي يتم فيها نسيان المنام أو الرؤيا ومسببات ذلك. كما يتناول في آخر مبحث وتحت عنوان "البرزخ بين اليقظة والنوم"، إمكانية تحقق الرؤيا والإنسان في الحالة البرزخية بين اليقظة والمنام، إذ: "يتفق لأحدنا ونشاهد في تلك اللحظات ما يراه النائم ولا يراه اليقظ... فهي لا تخرج من أنها خارجة من السيطرة الكاملة لقوة الشعور وأصبحت تسبح في فلك اللاشعور"، ولا تخرج خلفية الرؤيا في هذه الحالة عن كونها أما الروح أو النفس أو اللاشعور.
ويمثل الكتاب، مسحا تاريخيا وعلميا للرؤيا، قائم على التحليل العقلي والنفسي، مؤيدا بالتجربة ومسددا بالتراث، يوالف بين منهجي العقل والنقل، لا يحمّل عالم الغيب الكثير، ويترك لعالم المادة قول ما يراه سليما.