وأنا قلبي مساكن شعبية..


وأنا قلبي مساكن شعبية..

أحد أهم أدبيات الأردنيين هذه الأيام هي مقارنة فترة الثمانينات وبداية التسعينييات بما نعيشه الآن.. وكيف كانت الحياة جميلة وهادئة وكان الجيران يعرفون بعضهم بعضا والروابط الإجتماعية متينة والأخلاق أفضل.. وصولا لما نعيشه الآن من حياة سريعة متعبة و انحطاط في الأخلاق.. وانعزال داخل شققنا.. وتفكك على مستوى الروابط الإجتماعية والأطفال لم يعودوا يلعبون في الخارج لانعدام الأمن.. إلخ.. وبمعنى آخر.. كيف صارت الحياة أضيق وأسوأ.. ولا نملك أمام هذا التغيير إلا التحسر.. والقول أن هذا هو الزمن وهذه هي التكنولوجيا.. والحقيقة أن هذا ليس تطورا طبيعيا.. ولا ذنب للزمن ولا للتكنولوجيا فيه.. لأن التكنولوجيا سبق ودخلت إلى بيوت آبائنا في السبعينات (كتلفاز) ولم يكن لهذا هذا الأثر.. السبب الحقيقي لما حدث هو أزمة في مفهوم الإسكان, ورؤية خاطئة من حكومات مهملة أدت لتعاسة نعيشها ولا نفهمها.. ولتوضيح وجهة النظر هذه كتبت هذا المقال الذي أرجو أن تتسع صدوركم لقرائته.. لأنه يعني كل شخص فينا..

البيت هو أهم شيء يمتلكه الإنسان أو لا يمتلكه في حياته..وأهم عاملين سنتكلم عنهما اليوم هما امتلاك البيت.. ومساحة البيت المسقوفة وغير المسقوفة… وعسى بعد شرح هذين المبدأين أن نفهم سويا لماذا تغيرت نوعية الحياة في آخر 15 سنة.. ونبدأ بمفهوم إمتلاك البيوت.. الدول التي تقدر مواطنيها تحرص دائما على مؤشر امتلاك البيوت عاليا (نسبة من يمتلك البيت الذي يسكن فيه) .. فيصل هذا المؤشر في الولايات المتحدة ومعظم أوروبا إلى حوالي 70% وينخفض في الشرق الأوسط في عدة دول ليصل إلى 35%.. فماذا يعني هذا الرقم؟ وكيف يؤثر على حياتك؟ نجيب بعد قليل..

المبدأ الثاني هو نوعية المسكن نفسه والمساحات التي يوفرها.. تقول منظمة الصحة العالمية بتصرف “المسكن الصحي لكل أسرة يجب أن يضمن 60 مترا مربعا لكل فرد.. 30 مسقوف و 30 غير مسقوف.. ” أي أن أسرة من 5 أفراد يجب أن تمتلك بيتا مساحته 150 مترا مسقوفة.. و 150 مترا كحديقة ومتنفس.. هذا في الحدود الدنيا طبعا.. وهذا المقاييس لا يوفرها إلا بيت مستقل.. لأنه لا يمكن للشقق توفير مساحات غير مسقوفة بهذا الكم.. فماذا يحدث لو لم يتم توفير هذا المتطلبات؟ وما الفرق بين السكنى في بيت مستقل وبين الشقق؟ وكيف يؤثر هذا على حياتنا.. نجيب بعد قليل.. ولكن بعد تمهيد تاريخي بسيط..

بعد حرب الخليج الأولى , وبدء تدفق الأردنيين المغتربين من بلدان الخليج بكثرة وبكتلة نقدية.. بدأت حركة نشاط عمراني في المملكة (المدن الرئيسية) لاستيعابهم.. وهنا ونتيجة لقلة عدد الأراضي المعروضة للبيع والموصولة ببنية تحتية… ولأن قوانين تنظيم الأراضي كانت تسمح بالبناء العمودي (وهذا هو السبب الأهم) .. بدأت تظهر ما يسمى بمشاريع الإسكان بكثرة (كانت موجودة بوتيرة أقل).. ومعها بدأ نمط الشقق ينمو على حساب نمط البيوت الخاصة.. ومع كسل الحكومة وبخلها في فتح مناطق جديدة.. إرتفعت أسعار الأراضي أكثر فأكثر حتى وصلنا لحرب العراق 2003.. حيث انفجرت تماما.. وأصبح المواطن العادي لا يجرؤ أصلا على محاولة التفكير في شراء قطعة أرض.. لأن من ينافسه في شرائها هم شركات إسكان ضخمة.. تدفع حتى 5 أضعاف ما يدفعه.. فلذلك هم الزبون المفضل لمالك الأرض.. وعليه أصبح حلم المواطن الذي يعمل في وظيفة جيدة أن يشتري (بمساعدة البنوك) شقة قريبة من بيت والده المستقل (الذي كان يعمل بوظيفة أقل) .. أي أنه اليوم مع تعليمه العالي لا يستطيع إمتلاك بيت امتلكه والده بتعليم عادي.. وبراتب نسبيا أقل..

هذه التقسيمة السكانية الجديدة والغلاء الإصطناعي في أسعار العقار فرضت أنماط إجتماعية سيئة من أهمها.. انخفض معدل امتلاك البيوت للمواطنين..فبالنسبة لملاك البيوت القدامى أصبحت أحياؤهم تكتظ بسكان جدد ومستأجرين يأتون ويغيبون بحسب الظروف.. فلم يعودوا يعرفون جيرانهم ولا يأمنون على أطفالهم في ظل هذا الإكتظاظ.. وبالنسبة لمن يستأجرون هذه الشقق فهم لا يشعرون بالإستقرار أبدا.. ولا يتحقق مفهوم “المسكن” في الشقة التي يعيشون فيها…

وبالنسبة للسكن في الشقق وانعدام مقاييس المساحات غير المسقوفة.. أصبح الأطفال محشورين داخل هذه العلب الإسمنتية.. ويقضون معظم الوقت أمام شاشات التلفاز والأجهزة اللوحية.. مما سبب تشوه في طفولتهم من جهة (مقارنة بطفولة آبائهم) وتسبب بضغط نفسي شديد على الأم في الشقة الضيقة.. مما ينعكس على نفسيتها السيئة التي تنقلها لزوجها.. فتتجه العائلة بشكل لا إرادي لشيء يسمى التسوق الترفيهي.. (الذهاب للسوق للترفيه فقط.. مع أنك لا تحتاج شيئا).. وهنا ظهرت المولات وازدهرت..

هل كان لكل هذه الأنماط الاجتماعية السيئة أن لا تحدث؟ نعم.. لو أن قانون البناء لا يسمح بالامتداد العمودي لما حدث كل هذا.. ولأجبرت الجكومة على فتح طرق جديدة ومناطق جديدة وبنى تحتية جديدة.. ولبقيت الأسعار ضمن نطاقها الطبيعي لأن زبائنها هم الناس الناس العاديون.. لكن مؤسسة رخص البناء وهي أهم مؤسسة في الدولة فرضت على الأردنيين نمط إجتماعي سيعانون منه لسنوات طوال قادمة… وجعلتهم رهنا للبنوك وفريسة لطمع رؤوس الأموال.. ولا يحلمون بامتلاك مسكن صغير في مسكنهم الكبير..

الصحافة (المرآة) مشغولة بالفضائح والإثارة والفنانات ولا يهمها أبدا أن تكتب لك عن الوطن الحقيقي .. والحكومة من جهتها تصب عليك الأغاني الوطنية صبا وتدعوك لتمجيد الأجهزة الأمنية.. وكأن هذه هي الوطنية.. والتعليم بطبيعة الحال, بعيد عن قراءة الوطن بشكل صحيح.. فإذن .. لم يبق إلا أنت.. إعرف وطنك بشكل صحيح.. وقم بقياسه كما تقاس الأوطان.. وميز بين الوطن الغالب والوطن المغلوب.. فمن هنا يبدأ التصحيح..

وتذكر أن من حقك يا مواطن أن تعيش في بيت لك وحدك.. لك أرض وفوقك سماء.. ولك حول بيتك مكان يلعب فيه أطفالك.. تجلس فيه مع زوجتك ..وتزرع فيه ولو شجيرة نعناع واحدة.. هذا حقك..

وأنا قلبي مساكن.. شعبية..
‫#‏كتابات_ديك_الجن‬

الوسوم:, , , , ,