عائشة التيمورية


هذه الحلقة رقم 7 من 13 في مسلسل رجال من التاريخ

جئت اليوم أحدثكم حديث الأدب ، وأخاطب فيكم العاطفة وازجي لكم الحديث عن امرأة خلدها البيان ، امرأة ولدت سنة 1256 هـ وماتت سنة 1320هـ وأنتم تعرفون ما كانت عليه حال النساء في تلك الأيام ، كن أسيرات الجهل وضيق الفكر واستبداد الرجل فكان من أعجب العجب أن تنشأ فيهن شاعرة مجودة وكاتبة بليغة فاقت أدباء عصرها وسبقت في مضمار الرثاء العاطفي العصور كلها وكانت واحدة جمعت عجيبتين اثنتين ، أولاهما أنها شاعرة مجودة والمجودات في الشعر من النساء أقل من القليل ، لا في العربية وحدها بل في كل ألسنة العالم والأدب العربي على طوله لم يعرف مئة من الشاعرات المجودات ..على حين قد عرف عشرة آلاف من مجودي الشعر ، والثانية أنها نشأت في عصر تلك حال المرأة فيه…

وأحب أن أنبهكم إلى أن الإسلام برئ مما أصاب المرأة وأن التاريخ الإسلامي حافل بذكر العالمات الأديبات من النساء في عصوره كلها حتى في العصر الماضي ….وفي مكتبتي الآن أكثر من ثلاثة آلاف ترجمة لمن نبغ من النساء …وفي كتب الجرح والتعديل ذكر المئات من المحدثات الذين كانوا أساتذة الرجال ……..

وبعد ، فهذه الشاعرة الأديبة الكاتبة التي شقت الطريق لأترابها والتي سبقت زمانها والتي كانت اعجوبة في بيانها هي السيد عائشة التيمورية أخت العلامة المحقق أحمد تيمور وعمة رائد القصة العربية ابنه محمد تيمور وأخيه كبير القصصيين المصرين محمود تيمور …

نشأت في اسرة تركية غنية ، فتعلمت القراءة والكتابة في القصر على طريقة أبناء الأكابر فنبهت في نفسها الرغبة في المطالعة والإشراف على مجالس العلم ف بالقصر ، ولكن أمها أرادتها على ما كان من شأن اترابها في الخياطة والتطريز ، وأبت البنت إلا ما تميل إله فطرتها ، واستمرت المعركة حتى برز الأب اسماعيل تيمور وقال لها دعي هذه البنت للعلم ودونك أختيها ربيهما كما تريدين وأحضر لها المعلمين والمعلمات فأخذت النحو والعروض عن فاطمة الأزهرية وستيتة الطبلاوية وهذا يدلكم على أنه لم يخل ذلك العصر من عالمات وأزهريات.

والصرف والفارسية عن علي خليل رجائي والقرآن والخط والفقه على إبراهيم التونسي وحفظت عشرات الدواوين وطالعت كتب الأدب حتى صارت تنظم بالعربية والفارسية والتركية ولم يكن يفوقها من شعراء عصرها إلا البارودي (ذاك أمة وحده) والساعاتي ولها كتابة منها المسجع والمرسل والبليغ وهي أول من دعا إلى تعليم المرأة ولها في ذلك مقالات واشعار وكانت تحبذ الحجاب وترى أنه لا يمنع العلم والأدب ولها القصيدة المشهورة :

بيد العفاف أصون عز حجابي

وبعصمتي أسمو على أترابي

وبفكرة زقّادة وقريحة

نقادة قد كُمِّلت آدابي

ما ضرني أدبي وحسن تعلمي

إلا بكوني زهرة الألباب

ما ساءني خدري وعقد عصابتي

وطراز ثوبي واعتزاز رحابي

ما عاقني خجلي عن العليا ولا

سدْل الخمار بلمتي ونقابي

عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت

صعب السباق مطامح الركاب

عاشت في سعة من العيش وإقبال وربيت في العز والدلال لكن الدهر الذي لا يدوم على حال رماها بالنكبة التي تصدع قلوب الأبطال من الرجال فكيف بشاعرة من ربات الحجال ….مرهفة الحس رقيقة القلب تعيش بالعاطفة والحب؟؟

أصابها ما لم تطق له احتمالا كانت لها بنت اسمها توحيدة جمع الله لها جمال الخلْق وسمو الخُلق ، فياضة الأنوثة ساحرة الطرف بليغة النطق مهذبة الحواشي ما رآها أحد إلا أحبها …وبلغت الثامنة عشرة وتزوجت فما مر على عرسها شهر حتى اصابها مرض مفاجئ فماتت….

وروعت الصدمة عائشة وشدهتها ولم تستطع التصبر ونسيت كل شيء إلا ابنتها وتركت كل شيء إلا الانقطاع لرثائها ولبثت على ذلك سبع سنين كوامل ،،،قالت فيها قصائد تُبكي الصخر وتحرك الجاد ، وأثر طول البكاء في عينيها فما عادت تبصر ….ثم ألهمها الله الصبر بعد سبع سنين وشفي بصرها لكنها لم تنس النكبة ابد وهاكم أبياتا من قصيدة واحدة لا أعرف في الشعر العربي أحد منها حسا ولا أظهر عاطفة ولا أبلغ في إثارة الأسى ..وهي في هذا (لا في جودة السبك وروعة البيان) تفوق الخنساء وابن الرومي وتفوق قصيد التهامي المشهورة في ولده …

بدأت القصيدة تصف روعة الخطب ولوعة الحزن فقالت ….

إن سال من غرب العيون بحور……….فالدهر باغ والزمان غدور

فلكل عين حقُ مدرار الدِّما ……….ولكل قلب لوعة وثبور

ستر السنا وتحجبت شمس الضحى ……….وتغيبت بعد الشروق بدور

ومضى الذي أهوى وجرعني الأسى ……….وغدت بقلبي جذوة وسعير

ياليته لما نوى عهد النوى ……….وافى العيون من الظلام نذير

ثم أخذت تصف كيف بدأ المرض في رمضان سحرا

طافت بشهر الصوم كاسات الردى ………. سحرا وأكواب الدموع تدور

فتناولت منها ابنتي فتغيرت ………..وجنات خد شانها التغير

فذوت أزاهير الحياة بروضها………. وانقد منها مائس ونضير

لبست ثياب السقم في صغر وقد ………..ذاقت شراب الموت وهو مرير

جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا……….إن الطبيب بطبه مغرور

وصف التجرع وهو يزعم أنه ………..بالبرء من كل السقام بشير

واسمعوا كيف استبشرت الفتاة بدواء الطبيب:

فتنفست للحزن قائلة له ……….عجل ببرئي حيث أنت خبير

وارحم شبابي إن والدتي غدت ……….ثكلى يشير لهى الجوى وتشير

وارأف بعين حرمت طيب الكرى……….تشكو السهاد وفي العيون فتور

لما رأت يأس الطبيب وعجزه ……….قالت ودمع المقلتين غزير

أماه قد كل الطبيب وفاتني ……….مما أؤمل في الحياة نصير

لو جاء عراف اليمامة يرتجي ……….برئي لرد الطرف وهو حسير

يا روع روحي حله نزع الضنى ……….عما قليل ورقها وتطير

أماه قد عز اللقاء وفي غد……….سترين نعشي كالعروس يسير

وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي ……….هو منزلي وله الجموع تسير

قولي لرب اللحد رفقا بابنتي ……….جاءت عروسا ساقها التقدير

وتجلدي بإزاء لحدي برهة …………فتراك روح راعها المقدور

أماه قد سلفت لنا أمنية ………يا حسنها لو ساقها التيسير

كانت كأحلام مضت وتخلفت ……….مذ بان يوم البين وهو عسير

وتصوروا الأم وهي تعود فلا تلقى ابنتها ونرى جهاز العرس مازال باقيا …..

عودي إلى ربع خلا ومآثر ……..قد خلفت عني لها تأثير

صوني جهاز العرس تذكارا فلي ………قد كان منه إبى الزفاف سرور

جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا ……….لبس السواد ونفّذ المسطور

والقبر صار لغصن قدي روضة ………….ريحانها عند المزار زهور

أماه لا تنسي بحق بنوتي ……..قبري فيحزن المقبور

وهاكم جواب الأم:

فأجبتها والدمع يحبس منطقي …………والدهر من بعد الجوار يجور

بنتاه ياكبدي ولوعة مهجتي……….قد زال صفو شانه التكدير

لا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها………حزن عليك وحسرة وزفير

قسما بغض نواظري وتلهفي …..مذ غاب إنسان وفارق نور

وبقبلتي ثغرا تقضى نحبه ………فحرمت طيب شذاه وهو عطير

والله لا أسلو التلاوة والدعا …….ما غردت فوق الغصون طيور

كلا ولا أنسى زفير توجعي ……….والقد منك لدى الثرى مدثور

إني ألفت الحزن حتى أنني ………..لو غاب عني ساءني التأخير

قد كنت لا أرضى التباعد برهة……….كيف التصبر والبعاد دهور

أبكيك حتى نلتقي في جنة ……….برياض خلد زيًّنتها الحور..

أرأيتم أيها السامعون كي نسيتم مصائبكم وبكيتم لمصاب هذه الفتاة التي ماتت من ثمانين سنة (يوم أذيع هذا الحديث)

هذه عظمة الشعر …………..رحمة الله على الشاعرة التي لم يظهر بعدها مثلها………..

علي طنطاوي

Series Navigation<< مفتي السلطان سليمأبو دلامة >>
الوسوم:, , , ,