حكاية عبد الله البري مع عبد الله البحري


هذه الحلقة رقم 76 من 33 في مسلسل الف ليلة وليلة

ومما يحكى أيضاً أنه كان رجلٌ صيادٌ اسمه عبد الله وكان كثير العيال وله تسعة أولادٍ وأمهم وكان فقير جداً لا يملك إلا الشبكة وكان يروح كل يومٍ إلى البحر ليصطاد فإذا اصطاد قليلاً يبيعه وينفقه على أولاده بقدر ما رزقه الله وإن اصطاد كثيراً يطبخ طبخةً طيبةً ويأخذ فاكهةً ولا يزال يصرف حتى لا يبقى معه شيءٌ ويقول في نفسه: رزق غدٍ يأتي غداً فلما وضعت زوجته صاروا عشرة أشخاصٍ وكان الرجل في ذلك اليوم لا يملك شيئاً أبدا فقالت زوجته: يا سيدي انظر لي شيئاً أتقوت به فقال لها: ها أنا سارحٌ على بركة الله تعالى إلى البحر في هذا اليوم على بخت هذا المولود الجديد حتى ننظر سعده.

فقالت له: توكل على الله فأخذ الشبكة وتوجه إلى البحر، ثم أنه رمى الشبكة على بخت ذلك الطفل الصغير وقال: اللهم أجعل رزقه يسيراً غير عسير وكثيراً وغير قليل وصبر عليهما مدةً سحبها فخرجت ممتلئةً عفشاً ورملاً وحشيشاً ولم ير فيها شيئاً من السمك لا كثيراً ولا قليلاً فرماها ثاني مرةٍ وصبر عليها ثم سحبها فلم ير فيها سمكاً فرمى ثالثاً ورابعاً وخامساً فلم يطلع فيها سمكاً فانتقل إلى مكان أخر وجعل يطلب رزقه من الله ولم يزل على هذه الحالة إلى آخر النهار فلم يصطد ولا سمكةً صغيرةً فتعجب في نفسه وقال: هل هذا المولود خلقه الله تعالى من غير رزقٍ فهذا لا يكون أبداً لأن الذي شق الأشداق تكفل لها بالأرزاق فالله تعالى كريمٌ رزاقٌ.

ثم أنه حمل الشبكة ورجع مكسور الخاطر وقلبه مشغولٌ بعياله فأنه تركهم بغير أكلٍ ولا سيما زوجته نفساء وما زال يمشي وهو يقول في نفسه: كيف العمل وماذا أقول للأولاد في هذه الليلة؟ ثم أنه وصل قدام فرن خبازٍ فرأى عليه زحمةً وكان وقت غلاءٍ وفي تلك الأيام لا يوجد عند الناس من المؤونة إلا القليل والناس يعرضون الفلوس على الخباز وهو لا ينتبه لأحد منهم من كثرة الزحام فوقف ينظر ويشم رائحة العيش السخن فصارت نفسه تشتهيه من الجوع فنظر إليه الخباز وصاح عليه وقال: تعال يا صياد فتقدم إليه وقال له أتريد عيشاً؟ فسكت وقال له: تكلم ولا تستح الله كريمٌ أن لم يكن معك دراهم فأنا أعطيك وأصبر عليك حتى يجيئك الخير فقال له: والله يا معلم أنا ما معي دراهم ولكن أعطني عيشاً كفاية عيالي وأرهن عندك هذه الشبكة إلى الغد. فقال له الخباز: يا مسكين أن هذه الشبكة دكانك وباب رزقك فإذا رهنتها بأي شيءٍ تصطاد فأخبرني بالقدر الذي يكفيك؟ قال: بعشرة أنصاف فضةٍ فأعطاه خبراً بعشرة أنصافٍ ثم أعطاه عشرة أنصافٍ فضةٍ وقال له: خذ هذه العشرة أنصاف وأطبخ لك بها طبخةً فيبقى عندك عشرون نصف فضةٍ وفي غدٍ هات لي بها سمكاً وأن لم يحصل لك شيءٌ تعال خذ عيشك وعشرة أنصافٍ وأنا أصبر عليك حتى يأتيك الخير.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثامنة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الخباز قال للصياد خذ ما تحتاج إليه وأنا أصبر عليك حتى يأتيك الخير وبعد ذلك هات لي بما استحقه عندك سمكاً فقال له الصياد: آجرك الله تعالى وجزاك عني كل خيرٍ ثم أخذ العيش والعشرة أنصاف فضة وراح مسروراً واشترى ما تيسر ودخل على زوجته فرآها قاعدةً تأخذ بخاطر الأولاد وهم يبكون من الجوع وتقول لهم: في هذا الوقت يأتي أبوكم بما تأكلونه فلما دخل عليهم حط لهم العيش فأكلوا وأخبر زوجته بما حصل له، فقالت له: الله كريم.

وفي ثاني يوم حمل شبكته وخرج من داره وهو يقول: اسألك يا رب أن ترزقني في هذا اليوم بما يبيض وجهي مع الخباز فلما وصل إلى البحر صار يطرح الشبكة فلا يخرج فيها سمكاً ولم يزل كذلك إلى أخر النهار فلم يحصل شيءً فرجع وهو في غمٍ عظيمٍ وكان طريق بيته على فرن الخباز، فقال في نفسه: من أين أروح إلى داري ولكن أسرع خطاي حتى لا يراني الخباز فلما وصل إلى فرن الخباز رأى زحمةً فأسرع في المشي من حيائه من الخباز حتى لا يراه وإذا بالخباز وقع بصره عليه فصاح وقال له: يا صياد تعال خذ عيشك ومصروفك فأنك نسيت. قال: والله ما نسيت وإنما استحيت منك فأني لم أصطد سمكاً في هذا اليوم فقال له: لا تستح أما قلت لك على مهلك حتى يأتيك الخير، ثم أعطاه العيش والعشرة أنصاف وراح إلى زوجته وأخبرها بالخبر فقالت له الله كريم أن شاء الله يأتيك الخير وتوفيه حقه ولم يزل على هذه الحالة مدة أربعين يوماً وهو في كل يومٍ يروح إلى البحر من طلوع الشمس إلى غروبها ويرجع بلا سمكٍ ويأخذ عيشاً ومصروفاً من الخباز، ولم يذكر له السمك يوماً من الأيام ولم يمهله مثل الناس بل يعطيه العشرة أنصاف والعيش وكلما يقول له يا أخي حاسبني يقول له روح ما هذا وقت الحساب حتى يأتيك الحساب فأحاسبك، فيدعوا له ويذهب من عنده شاكراً له.

وفي اليوم الحادي والأربعون قال لامرأته: مرادي أن أقطع هذه الشبكة وأرتاح من هذه المعيشة، فقالت له: لأي شيءٍ؟ قال لها: كأن رزقي انقطع في البحر فإلى متى هذا الحال والله أني ذبت حياءً من الخباز فأنا ما بقيت أروح إلى البحر حتى لا أجوز على فرنه فأنه ليس لي طريقٌ إلا على فرنه وكلما جزت عليه يناديني ويعطيني العيش والعشرة أنصاف وإلى متى وأنا أتداين منه؟ قالت له: الحمد لله تعالى الذي عطف قلبه عليك فيعطيك القوت وأي شيءٍ تكره من هذا؟ قال: بقي له علي قدرٌ عظيمٌ من الدراهم ولا بد أنه يطلب حقه، قالت له زوجته: هل آذاك بكلامٍ؟ قال: لا ولا يرضى أن يحاسبني ويقول لي: حتى يأتيك الخير، قالت: فإذا طالبك قل له حتى يأتي الخير الذي نرتجيه أنا وأنت فقال لها: متى يجيء الخير الذي نرتجيه؟ قالت: الله كريم قال: صدقت، ثم حمل شبكته وتوجه إلى البحر وهو يقول: يا رب أرزقني ولو بسمكةٍ واحدةٍ حتى أهديها إلى الخباز ثم أنه رمى الشبكة في البحر وسحبها فوجدها ثقيلة فما زال يعالج فيها حتى تعب تعباً شديداً فلما أخرجها وجد فيها حماراً ميتاً منفوخاً ورائحته كريهةٌ فسئمت نفسه ثم خلصه من الشبكة وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قد عجزت وأنا أقول لهذه المرأة ما بقي لي رزقٌ في البحر، دعيني أترك هذه الصنعة وهي تقول لي: الله كريمٌ سيأتيك الخير فهل هذا الحمار الميت هو الخير؟ ثم أنه حصل له غمٌ شديدٌ وتوجه إلى مكانٍ آخر ليبعد عن رائحة الحمار وأخذ الشبكة ورماها وصبر عليها ساعةً زمانيةً، ثم جذبها فرآها ثقيلةً فلم يزل يعالج فيها حتى خرج الدم من كفيه فلما أخرج الشبكة رأى فيها آدميا فظن أنه عفريتٌ من عفاريت سيدنا سليمان الذي كان يحبسهم في قماقم النحاس ويرميهم في البحر فلما انكسر القمقم من طول السنين خرج منه ذلك العفريت وطلع في الشبكة فهرب منه وصار يقول: الأمان الأمان يا عفريت سليمان فصاح عليه الآدمي من داخل الشبكة وقال: تعالى يا صياد لا تهرب مني فأني آدمي مثلك فخلصني لتنال أجري فلما سمع الصياد اطمأن قلبه وجاءه وقال: أما أنت عفريتٌ من الجن؟ قال: لا وإنما أنا أنسيٌ مؤمن بالله ورسوله. قال له: ومن رماك في البحر؟ قال له: أنا من أولاد البحر كنت دائراً فرميت على الشبكة ونحن أقوامٌ مطيعون لأحكام الله ونشفق على خلق الله تعالى ولولا أني أخاف وأخشى أن أكون من العاصين لقطعت شبكتك ولكن رضيت بما قدر الله علي وأنت إذا خلصتني تصير مالكاً وأنا أصير أسيرك فهل لك أن تعتقني ابتغاءً لوجه الله تعالى وتعاهدني وتبقى صاحبي أجيئك كل يومٍ في هذا المكان وأنت تأتيني وتجيء لي معك بهديةٍ من ثمار البرفان عندكم عنباً وتيناً وبطيخاً وخوخاً ورماناً وغير ذلك وكل شيءٍ تجيء به إليَّ مقبولٌ منك ونحن عندنا مرجانٌ ولؤلؤٌ وزمردٌ وياقوتٌ وجواهرٌ فأنا أملأ لك المشنة التي تجيء لي فيها بالفاكهة معادن من جواهر البحر فما تقول يا أخي في هذا الكلام؟ قال له الصياد: الفاتحة بيني وبينك على هذا الكلام فقرأ كل منهما الفاتحة وخلصه من الشبكة ثم قال له الصياد: ما اسمك؟ قال له: اسمي عبد الله البحري فإذا أتيت إلى هذا المكان ولم ترني فناد وقل: أين أنت يا عبد الله يا بحري فأكون عندك في الحال.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة التاسعة والثلاثين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله البحري قال له: إذا أتيت إلى هذا المكان ولم ترني فناد وقل: أين أنت يا عبد الله يا بحري فأكون عندك في الحال وأنت ما اسمك؟ فقال الصياد: اسمي عبد الله قال أنت عبد الله البحري فقف هنا حتى أروح وآتيك بهديةٍ، فقال له: سمعاً وطاعةً فراح عبد الله البحري في البحر فعند ذلك ندم عبد الله البري على كونه خلصه من الشبكة وقال في نفسه: من أين أعرف أنأأنه يرجع إلي وإنما هو يضحك علي حتى خلصته ولو أبقيته كنت أفرج عليه الناس في المدينة وآخذ عليه الدراهم وأدخل به بيوت الأكابر فصار يتندم على إطلاقه ويقول في لنفسه: راح صيدك من يدك فبينما هو يتأسف على خلاصه من يده وإذا بعبد الله البحري رجع إليه ويداه مملوءتان لؤلؤاً ومرجاناً وزمرداً وياقوتاً وجواهر، وقال له: خذ يا أخي ولا تؤاخذني فأنه ما عندي مشنةٌ كنت أملؤها لك.

فعند ذلك فرح عبد الله البري وأخذ منه الجواهر وقال له: كل يوم تأتي إلى هذا المكان قبل طلوع الشمس ثم ودعه وانصرف ودخل البحر وأما الصياد فأنه دخل المدينة وهو فرحانٌ ولم يزل ماشياً حتى وصل إلى فرن الخباز وقال له: يا أخي قد أتانا الخير فحاسبني قال له: ما نحتاج إلى حسابٍ أن كان ما معك شيءٌ فخذ عيشك ومصروفك ورح إلى أن يأتيك الخير. فقال له: يا صاحبي قد أتاني الخير من فيض الله وقد بقي لك عندي جملةً كثيرةً ولكن خذ هذا وكبش له كبشةً من لؤلؤٍ ومرجانٍ وياقوتٍ وجواهرٍ وكانت تلك الكبشة نصف ما معه فأعطاها للخباز وقال له: أعطني شيئاً من المعاملة أصرفه في هذا اليوم حتى أبيع هذه المعادن فأعطاه كل ما كان تحت يده من الدراهم وجميع ما في المشنة التي كانت عنده من الخبز وفرح الخباز بتلك المعادن وقال للصياد: أنا عبدك وخدامك وجمع العيش الذي عنده على رأسه ومشى خلفه إلى البيت فأعطى العيش لزوجته وأولاده، ثم راح إلى السوق وجاء باللحم والخضار وسائر أصناف الفاكهة وترك الفرن وأقام طول ذلك اليوم وهو يعاطي خدمة عبد الله البري ويقضي له مصالحه.

فقال له الصياد: يا أخي أتعبت نفسك، قال له الخباز: هذا واجبٌ لأني صرت خدامك وإحسانك قد غمرني فقال له: أنت صاحب الإحسان علي في الضيق والغلاء وبات معه تلك الليلة على أحسن حال، ثم أن الخباز صار صديقاً للصياد أخبر زوجته بواقعته مع عبد الله البحري ففرحت وقالت: أكتم سرك لئلا تتسلط عليك الحكام فقال لها: أن كتمت سري عن جميع الناس فلا أكتمه عن الخباز، ثم أنه أصبح في ثاني يوم وكان قد ملأ مشنة فاكهة من سائر الأصناف في وقت المساء ثم حملها قبل الشمس وتوجه إلى البحر، وحطها على جانب الشاطئ وقال: أين أنت يا عبد الله يا بحري؟ وإذا به يقول له: لبيك وخرج إليه فقدم له الفاكهة فحملها ونزل بها وغطس في البحر وغاب ساعةً زمانيةً ثم خرج ومعه المشنة ملآنةً من جميع أصناف المعادن والجواهر فحملها عبد الله البري على رأسه وذهب بها، فلما وصل إلى فرن الخباز قال له: يا سيدي قد خبزت لك أربعين كف شريكٍ وأرسلتها إلى بيتك وها أنا أخبز العيش الخاص فمتى خلص أوصله البيت وأروح لك أجيء بالخضار واللحم فكبش له من المشنة ثلاث كبشاتٍ وأعطاه إياها وتوجه إلى البيت وحط المشنة وأخذ من كل صنفٍ من أصناف الجواهر فأخذ جواهر نفيسةً، ثم ذهب إلى سوق الجواهر ووقف على دكان شيخ السوق وقال: اشتر مني هذه الجواهر فقال له: أرني إياها فأراه فقال له: هل عندك غير هذا؟ قال: عندي مشنةً ممتلئةً، قال له: أين بيتك؟ قال: في الحارة الفلانية فأخذ منه الجواهر وقال لأتباعه: أمسكوه فأنه هو الحرامي الذي سرق مصالح الملكة زوجة السلطان ثم أمرهم أن يضربوه فضربوه وكتفوه وقام الشيخ هو وجميع أهل سوق الجواهر وصاروا يقولون: مسكنا الحرامي وبعضهم يقول: ما سرق متاع فلانٍ إلا هذا الخبيث وبعضهم يقول: ما سرق جميع ما في بيت فلانٍ، إلا هو وبعضهم يقول كذا وكذا كل ذلك وهو ساكت ولم يرد على أحدٍ منهم جواباً ولم يبدأ له خطابا حتى أوقفوه قدام الملك قال الشيخ: يا ملك الزمان لما سرق عقد الملكة أرسلت أعلمتنا وطلبت منا وقوع الغريم فاجتهدت أنا من دون الناس وأوقعت لك الغريم وها هو بين يديك وهذه الجواهر خلصناها من يده. فقال الملك للطواشي: خذ هذه المعادن وأرها للملكة وقل لها: هل هذا متاعك الذي ضاع من عندك؟ فأخذها الطواشي ودخل بها قدام الملكة فلما رأتها تعجبت منها وأرسلت تقول للملك: أني رأيت عقد في مكاني وهذا ما هو متاعي ولكن هذه الجواهر أحسن من جواهر عقدي فلا تظلم الرجل.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن زوجة الملك لما أرسلت تقول له: هذا ما هو متاعي ولكن هذه الجواهر أحسن من جواهر عقدي فلا تظلم الرجل وأن كان يبيعها فاشترها منه لبنتك أم السعود ليضعها لها في عقدٍ فلما رجع الطواشي وأخبر الملك بما قالته الملكة لعن شيخ الجواهرجية هو وجماعته لعنةً عادٍ وثمودٍ فقالوا: يا ملك الزمان أنا كنا نعرف أن هذا الرجل صيادٌ فقيرٌ فاستكثرنا ذلك عليه وقد ظننا أنه سرقها فقال: يا قبحاء أتستكثرون النعمة على مؤمنٍ فلا شيء لم يدر بما رزقه الله بها من حيث لا يحتسب فكيف تجعلونه حرامياً وتفضحونه بين العالم؟ اخرجوا لا بارك الله فيكم فخرجوا وهم خائفون. هذا ما كان من أمرهم.

وأما ما كان من أمر الملك فأنه قال له: يا رجل بارك الله لك فيما أنعم به عليك وعليك الأمان ولكن أخبرني بالصحيح من أين هذه الجواهر فأني ملكٌ ولا توجد عندي مثلها؟ فقال: يا ملك الزمان أنا عندي مشنةً ممتلئةً منها وهو أن الأمر كذا وكذا وأخبره بصحبته لعبد الله البحري وقال له: أنه قد صار بيني وبينه عهدٌ على أنني كل يوم أملأ له المشنة فاكهةً وهو يملؤها لي من هذه الجواهر، فقال له: يا رجل هذا نصيبك ولكن المال يحتاج إلى الجاه فأنا أدفع عنك تسلط الناس عليك في هذه الأيام ولكن ربما عزلت أو مت وتولى غيري فأنه يقتلك من أجل حب الدنيا والطمع فمرادي أن أزوجك ابنتي وأجعلك وزيري وأوصي لك بالملك من بعدي حتى لا يطمع فيك أحد بعد موتي. ثم أن الملك قال: خذوا هذا الرجل وأدخلوه الحمام فأخذوه وغسلوا جسده وألبسوه ثياباً من الملوك وأخرجوه قدام الملك فجعله وزيراً له ثم أرسل إلى زوجته ملابس نساء الملوك هي وأولادها وأركبوها في تختروان ومشت قدامها جميع النساء الأكابر والعساكر والسعاة وأصحاب النوبة وأتوا بها إلى بيت الملك والطفل الصغير في حضنها وأدخلوا أولادها الكبار على الملك فأكرمهم وأخذهم على حجره وأجلسهم في جانبه وهم تسعة أولادٍ ذكورٍ وكان الملك معدوم الذرية، ما رزق غير تلك البنت التي اسمها أم السعود وأما الملكة فأنها أكرمت زوجة عبد الله البري وأنعمت عليها وجعلتها وزيرةً وأرسل السعاة وأصحاب النوبة وجميع نساء الأكابر إلى بيته فألبسوا عندها وأمر الملك يكتب عبد الله البري على ابنته وجعل مهرها جميع ما كان عنده من الجواهر والمعادن، وفتحوا باب الفرح وأمر الملك أن ينادي بزينة المدينة من أجل فرح ابنته وفي اليوم الثاني بعد أن دخل على بنت الملك وأزال بكارتها طل الملك من الشباك فرأى عبد الله حاملاً على رأسه مشنةً ممتلئةً فاكهةً، فقال له: ما هذا الذي معك يا نسيبي وإلى أين تذهب؟ فقال: إلى صاحبي عبد الله البحري فقال له: يا نسيبي ما هذا وقت الرواح إلى صاحبك فقال: أخاف أن أخلف معه المعاد فيعدني كذاباً ويقول لي أن الدنيا الهتك عني قال: صدقت رح إلى صاحبك أعانك الله فمشى في البلد وهو متوجهٌ إلى صاحبه وكانت الناس قد عرفته فصار يسمع الناس يقولون: هذا نسيب الملك رائحٌ يبدل الأثمار بالجواهر والذي يكون جاهلا به ولا يعرفه يقول: يا رجل بكم الرطل؟ تعالي بعني فيقول له: انتظرني حتى أرجع إليك ولا يغم أحداً، ثم راح واجتمع بعبد الله البحري وأعطاه الفاكهة وأبدلها له بالجواهر ولم يزل على هذه الحالة وفي كل يومٍ يمر على الخباز فيراه مقفولاً ودام على ذلك مدة عشرة أيامٍ، فلما لم ير الخباز ورأى فرنه مقفولا قال في نفسه: أن هذا شيءٌ عجيبٌ يا ترى أين راح الخباز؟ ثم أنه سأل عنه جارٌ له يا أخي أين جارك الخباز؟ فما فعل الله به؟ قال له: يا سيدي أنه مريض لا يخرج من بيته قال له: أين بيته؟ قال له: في الحارة الفلانية فعمد إليه وسأل عنه فلما طرق الباب طل الخباز من الطاقة فرأى صاحبه الصياد وعلى رأسه مشنةً ممتلئةً فنزل إليه وفتح له الباب ورمى روحه عليه وعانقه وقال له: كيف حالك يا صاحبي فأن كان من أمر على الفرن فأراه مقفولاً ثم سألت جارك فأخبرني بأنك مريضٌ فسألت عن البيت لأجل أن أراك فقال له الخباز: جزاك الله عني كل خير فليس بي مرضٌ، وإنما بلغني أن الملك أخذك لأن بعض الناس كذب عليك وادعى أنك حرامي فخفت أنا وقفلت الفرن واختفيت.

قال: صدقت ثم أنه أخبره بقضيته وما وقع له مع الملك وشيخ سوق الجواهرجية وقال له: أن الملك قد زوجني ابنته وجعلني وزيره ثم قال له: خذ من المشنة نصيبك ولا تخف، ثم خرج من عنده بعد أن ذهب عنه الخوف وراح إلى الملك بالمشنة فارغةً فقال له الملك: يا نسيبي كأنك ما اجتمعت برفيقك عبد الله البحري في هذا اليوم؟ فقال: رحت له والذي أعطاه لي أعطيته إلى صاحبي الخباز فأن له علي جميلاً قال: من يكون هذا الخباز؟ قال: أنه رجلٌ صاحبٌ معروفٌ وجرى لي معه في أيام الفقر ما هو كذا وكذا ولم يهملني يوما ولا كسر خاطري قال الملك: ما اسمه؟ قال: عبد الله الخباز وأنا اسمي عبد الله البري وصاحبي اسمه عبد الله البحري قال الملك: وأنا اسمي عبد الله وعبيد الله كلهم أخوان فأرسل إلى صاحبك الخباز هاته لتجعله وزير ميسرة، فأرسل إليه، فلما حضر بين يدي الملك ألبسه بدلة وزيرٍ وجعله وزير الميسرة وجعل عبد الله البري وزير الميمنة.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الحادية والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد، أن الملك جعل عبد الله البري نسيبه وزير الميمنة وعبد الله الخباز وزير الميسرة واستمر عبد الله على تلك الحالة سنةً كاملةً وهو في كل يوم يأخذ المشنة ممتلئةً فاكهةً ويرجع بها ممتلئةً جواهر ومعادن ولما فرغت الفواكه من البساتين صار يأخذ زبيباً ولوزاً وبندقاً وجوزاً وتيناً وغير ذلك وجميع ما يأخذه له يقبله منه ويرد له المشنة ممتلئةً جواهر على عادته فاتفق يوماً من الأيام أنه أخذ المشنة ممتلئةً نقلاً على عادته فأخذها منه وجلس عبد الله البري على الشاطئ وجلس عبد الله البحري في الماء قرب الشاطئ وصارا يتحدثان مع بعضهما ويتداولان الكلام بينهما حتى أنجرا إلى ذكر المقابر فقال البحري: يا أخي أنهم يقولون في أن النبي صلى الله عليه وسلم مدفونٌ عندكم في البر فهل تعرف قبره؟ قال نعم قال له: في أي مكانٍ هو؟ قال له: في مدينةٍ يقال لها مدينة طية فقال: وهل تزوره الناس أهل البر؟ قال: نعم قال: هنيئا لكم يا أهل البر بزيارة هذا النبي الكريم الرؤوف الرحيم الذي من زاره استوجب شفاعته، وهل أنت زرته يا أخي؟ قال: لا لأني كنت فقيرٌ ولا أجد ما أنفقه في الطريق وما استغنيت إلا من حين عرفتك وتصدقت علي بهذا الخير، ولكن قد وجبت عليَّ زيارته بعد أن أحج بيت الله الحرام وما منعني من ذلك إلا محبتك فأني لا أقدر أن أفارقك يوماً واحداً.

فقال له: وهل تقدم محبتي على زيارة قبر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشفع فيك يوم العرض على الله وينجيك من النار وتدخل الجنة بشفاعته؟ وهل من أجل حب الدنيا تترك زيارة قبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا والله إن زيارته مقدمةٌ عندي على كل شيءٍ ولكن أريد منك إجازة أن أزوره في هذا العام، قال: أعطيك الإجازة بزيارته وإذا وقفت على قبره فاقرئه مني السلام، وعندي أمانةً فأدخل معي البحر حتى آخذك إلى مدينتي وأدخلك بيتي وأضيفك وأعطيك أمانةً لتضعها على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقل له يا رسول الله أن عبد الله البحري يقرئك السلام وقد أهدى إليك هذه الهدية وهو يرجو منك الشفاعة من النار. فقال له عبد الله البري: يا أخي أنت خلقت من الماء ومسكنك الماء وهولا يضرك فهل إذا خرجت منه إلى البر يحصل لك ضررٌ؟ قال: نعم ينشف بدني وتهب علي نسمات البر فأموت، قال له: وأنا كذلك خلقت في البر ومسكني البر فإذا دخلت البحر يدخل الماء في جوفي ويخنقني فأموت. قال له: لا تخف من ذلك فأني آتيك بدهنٍ تدهن به جسمك فلا يضرك الماء ولو كنت تقضي بقية عمرك وأنت دائرٌ في البحر وتنام وتقوم في البحر ولا يضرك شيءٌ، قال: إذا كان الأمر كذلك لا بأس هات لي الدهان حتى أجربه قال: وهو كذلك ثم أخذ المشنة ونزل في البحر وغاب قليلاً ثم رجع ومعه شحمٌ مثل شحم البقر لونه أصفر كلون الذهب ورائحته زكيةٌ، فقال له عبد الله البري: ما هذا يا أخي؟ فقال: شحم كبد صنفٍ من أصناف السمك يقال له الدندان وهو أعظم أصناف السمك خلقةً وهو أشد أعدائنا علينا وصورته أكبر صورةٍ توجد عندكم من دواب البر، ولو رأى الجمل والفيل لابتلعه.

فقال له: يا أخي وما يأكل هذا المشؤوم؟ فقال: يأكل من دواب البحر أما سمعت أنه يقال في المثل: مثل سمك البحر القوي يأكل الضعيف؟ قال: صدقت ولكن هل عندكم من هذا الدندان في البحر كثيرٌ؟ قال: عندنا شيءٌ لا يحصيه إلا الله تعالى. قال عبد الله البري: أني أخاف إذا نزلت معك أن يصادفني هذا النوع فيأكلني، قال عبد الله البحري: لا تخف فإنه متى رآك عرف أنك ابن آدمٍ فيخاف منك ويهرب ولا يخاف من أحدٍ في البحر مثل ما يخاف من ابن آدم لأنه متى أكل ابن آدم مات من وقته وساعته فأن شحم ابن آدم قاتلٌ لهذا النوع ونحن ما نجمع شحم كبده إلا بواسطة ابن آدمٍ إذا وقع في البحر غريقاً فإنه تتغير صورته وربما تمزق لحمه فيأكله الدندان لظنه أنه من حيوان البحر فيموت فنعثر به ميتاً فنأخذ شحم كبده وندهن به أجسامنا وندور في البحر فأي مكانٍ كان فيه ابن آدم إذا كان فيه مائة أو مائتان أو أكثر من هذا النوع وسمعوا صيحة ابن آدم فإن الجميع يموتون لوقتهم من صيحةٍ واحدةٍ.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثانية والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله البحري قال لعبد الله البري: وإذا سمع ألفٌ من هذا النوع أو أكثر صيحةً واحدةً من بني آدم يموتون لوقتهم ولا يقدر أحد منهم أن ينتقل من مكانه، فقال عبد الله البري: توكلت على الله، ثم قلع ما كان عليه من الملبوس وحفر في شاطئ البحر ودفن ثيابه وبعد ذلك دهن جسمه من فوقه إلى قدمه بهذا الدهن ثم نزل في الماء وغطس وفتح عينيه فلم يضره الماء فمشى يميناً وشمالاً ثم جعل أن شاء يعلو وأن شاء ينزل إلى القرار ورأى ماء البحر مخيماً عليه مثل الخيمة ولا يضره.

فقال عبد الله البحري: ماذا ترى يا أخي؟ قال له: أرى خيراً وقد صدقت فيما قلت فأن الماء ما ضرني، قال له: اتبعني فتبعه وما زالا يمشيان من مكانٍ إلى مكانٍ وهو يرى أمامه وعن يمينه وشماله جبالاً من الماء فصار يتفرج عليها وعلى أصناف السمك وهي تلعب في البحر البعض كبيرٌ والبعض صغيرٌ وفيه شيءٌ يشبه الجاموس وشيءٌ يشبه البقر وشيءٌ يشبه الكلاب وشيءٌ يشبه الآدميين وكل نوعٍ قربنا منه يهرب، فقال له: مخافةٌ منك لأن جميع ما خلقه الله تعالى يخاف من ابن آدم.

وما زال يتفرج على عجائب البحر حتى وصل إلى جبلٍ عالٍ فمشى عبد الله البري بجانب ذلك الجبل فلم يشعر إلا وصيحةً عظيمةً فالتفت فرأى شيئاً أسوداً منحدراً عليه من ذلك الجبل وهو قدر الجمل أو أكبر وصار يصيح، فقال: ما هذا يا أخي؟ قال له البحري: هذا الدندان فأنه نازل في طلبي مراده أن يأكلني فصح عليه يا أخي قبل أن يصل إلينا فيخطفني ويأكلني فصاح عليه عبد الله البري فوقع ميتاً، قال: سبحان الله وبحمده أنا لا ضربته بسيفٍ ولا بسكينٍ كيف هذه العظمة التي فيها هذا المخلوق ولم يحمل صيحتي بل مات؟ فقال له عبد الله البحري: لا تعجب يا أخي فو الله لو كان من هذا النوع ألفٌ أو ألفان لما حملوا صيحة ابن آدم.

ثم مشيا إلى مدينةٍ فرأيا أهلها جميعاً بنات وليس فيهن ذكورٌ فقال: يا أخي ما هذه المدينة وما هذه البنات؟ فقال له: هذه مدينة البنات لأن أهلها من بنات البحر، قال: هل فيهن ذكور؟ قال: لا، قال: كيف يحبلن ولا يلدن من غير ذكور؟ قال: أن ملك البحر ينفيهن إلى هذه المدينة وهن لا يحبلن ولا يلدن وإنما كل واحدةٍ غضب عليها من بنات البحر يرسلها إلى هذه المدينة ولا تقدر أن تخرج منها فأن خرجت منها فكل من يراها من دواب البحر يأكلها، وأما غير هذه المدينة ففيها رجالٌ وبناتٌ. قال له: هل في البحر مدنٌ غير هذه المدينة؟ قال له: كثيرٌ، قال: وهل عليكم سلطانٌ في البحر؟ قال: نعم، قال له: يا أخي أني رأيت في البحر عجائب كثيرة، قال له: وأي شيءٍ رأيت من العجائب؟ قال: أما سمعت صاحب المثل يقول: عجائب البحر أكثر من عجائب البر؟ قال: صدقت.

ثم أنه صار يتفرج على هذه البنات فرأى لهن وجوهاً مثل الأقمار وشعوراً مثل شعور النساء ولكن لهن أيادٍ وأرجلٍ في بطونهن ولهن أذنابٌ مثل أذناب السمك، ثم أنه فرجه على أهل تلك المدينة وخرج به ومشى قدامه إلى مدينةٍ أخرى فرآها ممتلئةً خلائق إناثاً وذكوراً صورتهم مثل صورة البنات ولهن أذناب ولكن ليس عندهم بيعٌ ولا شراءٌ مثل أهل البر وليسوا لابسين بل الكل عراةٍ مكشوفي العورة فقال له: يا أخي أني أرى الإناث والذكور مكشوفوا العورة فقال له: أن أهل البحر لا قماش عندهم. فقال له: يا أخي كيف يصنعون إذا تزوجوا؟ فقال له: هم لا يتزوجون بل كل من أعجبته أنثى يقضي مراده منها، قال له: أن هذا شيءٌ حرامٌ، ولأي شيءٍ لا يخطبها يمهرها ويقيم لها فرحا ويتزوجها بما يرضي الله ورسوله؟ قال: ليس كلنا ملةً واحدةً فإن فينا مسلمين موحدين وفينا نصارى ويهودٌ وغير ذلك والذي يتزوج حصوص المسلمين. فقال: أنتم عراةٌ وما عندكم بيعٌ ولا شراءٌ، فأي شيءٍ يكون مهر نسائكم، وهل تعطوهن جواهر ومعادن؟ قال له: أن الجواهر أحجار ليس لها عندنا قيمةٌ وإنما الذي يريد أن يتزوج يجعلون شيئاً معلوماً من أصناف السمك يصطاده قدر ألف أو ألفين أو أكثر حسب ما يحصل عليه الاتفاق بينه وبين والد الزوجة فحين يحضر المطلوب يجتمع أهل العريس وأهل العروسة ويأكلون الوليمة ثم يدخلونه على زوجته وبعد ذلك يصطاد من السمك ويطعمها وإذا عجز تصطاد هي وتطعمه. قال: وأن زنى بعضهم ببعض كيف يكون الحال؟ قال: أن الذي يثبت عليه الأمر أن كانت أنثى ينفونها إلى مدينة البنات فإذا كانت حاملاً من الزنى فإنهم يتركونها إلى أن تلد، فأن ولدت بنتاً ينفونها معها وتسمى زانيةً ولا تزال بنتاً حتى تموت، وأن كان المولود ذكراً فأنهم يأخذونه إلى الملك السلطان فيقتله.

فتعجب عبد الله البري من ذلك، ثم أن عبد الله البحري أخذه إلى مدينةٍ أخرى، وهكذا وما زال يفرجه حتى فرجه على ثمانين مدينةٍ وكل مدينةٍ يرى أهلها لا يشبهون أهل غيرها من المدن، فقال له: يا أخي هل بقي في البحر مدائن؟ قال: وأي شيء رأيت من مدائن البحر وعجائبه، وحق النبي الكريم الرؤوف الرحيم لو كانت فرجتك ألف عامٍ كل عام على مدينةٍ وأريتك في كل مدينةٍ ألف أعجوبةٍ ما أريتك قيراطاً من أربعةٍ وعشرون قيراطاً من مدائن البحر وعجائبه وإنما فرجتك على أرضنا وديارنا لا غير، فقال له: يا أخي حيث كان الأمر كذلك يكفيني ما تفرجت عليه فأني سئمت من أكل السمك ومضى لي في صحبتك ثمانون يوماً وأنت لا تطعمني صباحاً ومساءً إلا سمكاً طرياً لا مستوياً ولا مطبوخاً، فقال لها: أي شيءٍ يكون المطبوخ والمشوي؟ قال له عبد الله البري: نحن نشوي السمك في النار ونطبخه ونجعله أصنافاً ونصنع منه أنواعاً كثيرةً، فقال له البحري: من أين تأتي لنا النار فنحن لا نعرف المشوي من المطبوخ وغير ذلك، فقال له البري: نحن نقليه بالزيت والسيرج فقال له البحري: ومن أين لنا الزيت والسيرج ونحن في هذا البحر لا نعرف شيئاً مما ذكرته؟ قال: صدقت ولكن يا أخي قد فرجتني على مدائن كثيرةٍ ولم تفرجني على مدينتك.

قال له: أما مدينتي فأننا فتناها بمسافة وهي قريبةٍ من البر الذي أتينا منه وإنما تركت مدينتي وجئت بك إلى هنا لأني قصدت أن أفرجك على مدائن البحر. قال له: يكفيني ما تفرجت عليه ومرادي أن تفرجني على مدينتك، قال له: وهو كذلك، ثم رجع وإياه إلى مدينته فلما وصلا إليها قال له: هذه مدينتي فرآها مدينةً صغيرةً عن المدائن التي تفرج عليها، ثم دخل المدينة ومعه عبد الله البحري إلى أن وصلا إلى مغارةٍ فقال له: هذا بيتي وكل بيوت هذه المدينة كذلك مغائرٌ كبيرةٌ وصغيرةٌ في الجبال وكذلك جميع مدائن البحر على هذه الضفة فأن كل من أراد أن يصنع له بيتاً يروح إلى الملك ويقول له: أريد أن أتخذ بيتاً في المكان الفلاني فيرسل معه الملك طائفةً من السمك تسمى النقارين ويجعل كراهم شيئاً معلوماً من السمك ولهم مناقر تفتت الحجر الجلمود فيأتون إلى الجبل الذي أراده صاحب البيت وينقرون في البيت وصاحب البيت يصطاد لهم السمك ويلقمهم حتى تتم المغارة فيذهبون وصاحب البيت يسكنه، وجميع أهل البحر على هذه الحالة لا يتعاملون مع بعضهم ولا يخدمون بعضهم إلا بالسمك وكلهم سمك. ثم قال: أدخل، فدخل، فقال عبد الله البحري: يا ابنتي وإذا بابنته أقبلت عليه ولها وجهٌ مدورٌ مثل القمر ولها شعرٌ طويلٌ وردفٌ ثقيلٌ وطرفٌ كحيلٌ وخصرٌ نحيلٌ لكنها عريانةٌ ولها ذنبٌ فلما رأت عبد الله البري مع أبيها قالت له: يا أبي ما هذا الأزعر الذي جئت به معك؟ فقال لها: يا ابنتي هذا صاحبي عبد الله البري الذي كنت أجيء لك من عنده بالفاكهة البرية تعالي سلمي عليه فتقدمت وسلمت عليه بلسانٍ فصيحٍ وكلامٍ بليغٍ فقال أبوها: هات زاداً لضيفنا الذي حلت علينا بقدومه البركة فجاءت له بسمكتين كبيرتين كل واحدةٍ منها مثل الخروف فقال له: كل فأكل غصباً عنه من الجوع لأنه سئم من أكل السمك وما عندهم شيءٌ غير السمك فما مضى حصةً إلا وامرأة عبد الله البحري أقبلت وهي جميلة الصورة ومعها ولدان كل واحدٍ في يده فرخٌ من السمك يقرش فيه كما يقرش الإنسان في الحيات فلما رأت عبد الله البري قالت: أي شيء هذا الأزعر؟ وتقدم الولدان وأختهما وأمهم وصاروا ينظرون إلى دبر عبد الله البري ويقولون: أي أزعر والله وصاروا يضحكون عليه سخريةً فقال عبد الله البري: يا أخي هل أنت جئت بي لتجعلني سخريةً لأولادك وزوجتك.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

وفي الليلة الثالثة والأربعين بعد التسعمائة قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن عبد الله البري قال لعبد الله البحري: يا أخي هل أنت جئت بي لتجعلني سخريةً لأولادك وزوجتك؟ فقال له عبد الله البحري: العفو يا أخي فأن الذي لا ذنب له غير موجودٍ عندنا وإذا وجد من غير ذنبٍ يأخذه السلطان ليضحك عليه ولكن يا أخي لا تؤاخذ هؤلاء الأولاد الصغار والمرأة فأن عقولهم ناقصةٌ ثم صرخ عبد الله البحري على عياله وقال لهم: اسكتوا فخافوا منه وسكتوا وجعل يأخذ بخاطره فبينما هو يتحدث معه وإذا بعشرة أشخاصٍ كبارٍ شدادٍ غلاظٍ أقبلوا عليه وقالوا: يا عبد الله أنه بلغ الملك أن عندك أزعر من البر، قال: نعم وهو هذا الرجل فأنه صاحبي أتاني ضيفاً ومرادي أن أرجعه إلى البر، قالوا له: أننا لا نقدر أن نروح إلا به فأن كان مرادك كلاماً فقم وخذه وأحضر به قدام الملك والذي تقوله لنا قله للملك فقال عبد الله البحري. يا أخي العذر واضحٌ ولا يمكننا مخالفة الملك ولكن أمضي معي للملك وأنا أسعى في خلاصك منه أن شاء الله تعالى فلا تخف فأنه متى رآك وعرف أنك من أولاد البر ومتى علم أنك بريءٌ فلا بد أنه يكرمك ويردك إلى البر. فقال عبد الله البري: الرأي رأيك فأنا أتوكل على الله وأمشي معك ثم أخذه ومضى به إلى أن وصل إلى الملك فلما رآه ضحك وقال: مرحباً بالأزعر وصار كل من كان حوله يضحك عليه ويقول: أي والله أنه أزعر فتقدم عبد الله البحري إلى الملك وأخبره بأحواله وقال له: هذا من أولاد البر وصاحبي وهو لا يعيش بيننا لأنه لا يحب أكل السمك إلا مقلياً أو مطبوخاً والمراد أنك تأذن لي في أن أرده إلى البر. فقال له الملك: حيث أن الأمر كذلك وأنه لا يعيش عندنا فقد أذنت لك أن ترده إلى مكانه بعد الضيافة ثم أن الملك قال: هاتوا له الضيافة فأتوا له بسمكٍ أشكالاً وألواناً فأكل امتثالاً لأمر الملك ثم قال له الملك: تمن علي فقال عبد الله البري: أتمنى عليك أن تعطيني جواهر فقال: خذوه إلى دار الجواهر ودعوه ينقي ما يحتاج إليه فأخذه صاحبه إلى دار الجواهر ونقى على قدر ما أراد ثم رجع إلى مدينته وأخرج له صرةً وقال له: خذ هذه أمانةٌ وأوصلها إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها وهو لا يعلم ما فيها ثم خرج معه ليوصله إلى البر فرأى في طريقه غناءً وفرحاً وسماطاً ممدوداً من السمك والناس يأكلون ويغنون وهم في فرحٍ عظيمٍ فقال عبد الله البري لعبد الله البحري: ما لهؤلاء الناس في فرحٍ عظيمٍ هل عندهم عرسٌ؟ فقال البحري: ليس عندهم عرسٌ وإنما مات عندهم ميتٌ فقال له: وهل أنتم إذا مات عندكم ميت تفرحون له وتغنون وتأكلون؟ قال: نعم وأنتم يا أهل البر ماذا تفعلون؟ قال البري: إذا مات عندنا ميت نحزن عليه ونبكي والنساء يلطمن وجوههن ويشققن جيوبهن حزناً على من مات فحملق عبد الله البحري عينيه في عبد الله البري وقال له: هات الأمانة فأعطاها له ثم أخرجه إلى البر وقال له: قد قطعت صحبتك وودك فبعد هذا اليوم لا تراني ولا أراك فقال له: لماذا هذا الكلام؟ فقال له: ما أنتم يا أهل البر أمانة الله. فقال البري: نعم قال: فكيف لا يهون عليكم أن الله يأخذ أمانته بل تبكون عليها فكيف أعطيك أمانة النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم إذا أتاكم المولود تفرحون به مع أن الله يضع فيه الروح أمانةً فإذا أخذها كيف تصعب عليكم وتبكون وتحزنون فما لنا في رزقكم حاجةً ثم تركه وراح إلى البر ثم أن عبد الله البري لبس حوائجه وأخذ جواهره وتوجه إلى الملك فتلقاه باشتياقٍ وفرحٍ به وقال له: كيف أنت يا نسيبي وما سبب غيابك عني هذه المدة؟ فأخبره بقصته وما رآه من العجائب في البحر.

فتعجب الملك من ذلك ثم أخبره بما قاله عبد الله البحري فقال له: أنت الذي أخطأت في أخبارك له بهذا الخبر ثم أنه استمر مدةً من الزمان وهو يروح إلى جانب البحر ويصيح على عبد الله البحري فلم يرد عليه ولم يأت إليه فقطع عبد الله البري الرجاء منه وأقام هو والملك نسيبه وأهلهما في أسر حالٍ وأحسن أعمالٍ حتى أتاهم هازم اللذات ومفرق الجماعات وماتوا جميعاً فسبحان الحي الذي لا يموت ذي الملك والملكوت وهو على كل شيءٍ قديرٍ وبعباده لطيفٌ خبيرٌ.

Series Navigation<< حكاية أبي قير وأبي صيرمن نوادر هارون الرشيد مع الشاب العماني >>
الوسوم:, , , , , , , ,