الزبيدي شارح القاموس


هذه الحلقة رقم 10 من 13 في مسلسل رجال من التاريخ

لو سئلت ما هو أشهر كتاب عربي لقلت إنه القاموس للفيروزآبادي فقد بلغ من شهرته أن سمي كل معجم قاموسا مع أن القاموس اسم لهذا الكتاب وحده، وإلى جنب القاموس في كل خزانة كتاب شرخ القاموس ، الكتاب الجليل الذي يزيد في احاطته وشموله على المعجم العظيم لسان العرب…

وحديثي اليوم عن الزبيدي شارح القاموس عن الرجل الذي كان طرازا نادرا من العلماء والذي كان نموذجا للشيخ الذي جعل المشيخة تجارة ، وصورة للعالم المترف الثري والذي بلغ من قدره أنه كان أعظم علماء الأرض في زمانه …………والذي كان مشاركا في كل علم ملما بكل فن إماما في اللغة والحديث والتاريخ وكان أديبا شاعرا وكان مع ذلك وقورا مهيبا بشوشا بساما وكان مع هيبته ووقاره خفيف الروح عذب النكته مستحضرا للنوادر العجيبة متحدثا قليل النظير..

*********

ولد في الهند سنة 1145 هـ ونشأ بها ثم رحل في طلب العلم وحج مرارا ونزل الطائف سنة 1166هـ وورد مصر سنة 1167

وفي مصر لمع نجمه وسار اسمه ونال النزلة التي وصفت لكم وقد اتصل أو أمره بالأمير اسماعيل كتخدا وألقى الله محبته وإكباره في قلبه فولاه جانبا من دنياه ونبه إكرام الأمير الناس إليه ، فأقبلوا عليه وتسابقوا إلى سماع درسه وحضور مجلسه وأهدوا إليه الهدايا الفاخرة فحسنت حاله ولبس الملابس الفاخرة واشترى الخيل المسومة ، وكان نحيفا ربعة ، مورد الوجه ، متناسب الأعضاء يتخذ الزي الحجازي خلافا لزي علماء الأزهر ويلبس العمامة الحجازية على القلنسوة المزركشة ، ويترك لها عذبة ، فكانت غرابة زيه من أسباب إقبال الناس عليه ، فانتقل إلى سويقة اللالا وكانت يومئذ حي الأعيان والكبراء وفتح بيته للناس وكان يقيم الولائم ويهدي إلى من يهدي إليه وجعل ينقل درسه من مسجد إلى مسجد ، ومن حي إلى حي ، وزار بلاد الصعيد ثلاث مرات ، وكان حيثما حل احتشد له الناس وازدحم عليه طلبة العلم والعلماء ، وتسابق إلى إكرامه ودعوته الأمراء والكبراء وعني به شيخ العرب همام وهو كبير أعيان تلك البلاد ، ورحل إلى مدن الوجه البحري كدمياط ورشيد والمنصورة وغيرها مرارا ، ثم تزوج وأحب زوجته حبا ما أحب مثله قيس ليلاه ولا العباس فوزه ، وعاش معها في مثل نعيم الجنات ، وشرع بشرح القاموس ، وكان كلما أكمل كراريس أرسل بها إلى علماء الأقطار الإسلامية فاشتهر قبل إكماله ، فلما أكمله أولم الولائم العظيمة وجمع العلماء والعظماء ، وكان احتفالا ضخما لبث عمرا وهو حديث الناس ..

ولما أنشأ محمد بك ابو الدهب جامعه المعروف بالقرب من الأزهر وأقام به خزانة كتب اشترى أول نسخة من شرح القاموس بمئة ألف درهم فضة..!!!

ولم يمنع الزبيدي ما نال من دنيا عريضة من الإنشغال بالعلم والعكوف على التصنيف والولع بإقراء الطلبة ، وإحياء العلوم التي اندثرت كعلم الأسانيد والأنساب وتخريج الأحاديث ، وألف في ذلك كتبا جليلة ..

وكانت مجالس الأمالي قد مضت زانقطعت من عهد السيوطي …والأمالي من مفاخر تاريخ العلم الإسلامي ، فأعادها ووصلها ، وجعل يملي من حفظه على طريقة السلف مجالس في الحديث مبتدئا بذكر الأسانيد والرواة والمخرجين.

وكان كلما قدم عليه قادم أملى عليه الحديث المسلسل بالأولوية ، وهو حديث الرحمة برواته وخرجيه ويكتب له سندا بذلك ويخبره به ، ويكتب سماع الحاضرين …فكان الناس يعجبون منذلك ..

وطلب منه بعض شيوخ الأزهر إجازة .فقال : لابد من قراءة أوائل الكتب ، واتفقوا على الاجتماع في مسجد شيخون وحضر الاجتماع أهل تلك الناحية وطابة العلم فيها فالتمسوا منه بيان المعاني فانتقل من الرواية إلى الدراية وكان درس عظيم استمر مدة طويلة ، وكان يمزج الحديث بالفقه بالعربية بالرواية ولم يكن ذلك معروفا من مشايخ الأزهر في تلك الأيام

وانتقلت شهرته إلى تركيا فطلب إلى اسطنبول فامتنع فرتبت له المرتبات الكبيرة وكاتبه أمراء المسلمين من الترك والحجاز واليمن والهند والشام والعراق والهند والسودان والجزائر وكثرت عنده الهدايا العجيبة منها أغنام فزان وهي عجيبة الخلقة يشبه رأسها رأس العجل فأرسلها إلى أولاد السلطان فكان لها وقع عظيم ، وكذلك الببغاء والجواري والعبيد فكان يرسل ذلك إلى الجهات المستغرب فيها ، ويأتيه في مقابلها أضعافها وأتاه من طرائف الهند واليمن أشياء نفيسة منها العود والعنبر بالأرطال..

وصارت له شهرة عظيمة عند اهل المغرب حتى إن من يحج ولا يزوره لا يرون حجه كاملا وكلما ورد عليه وارد سألأه عن اسمه ونسبه وبلده وأصحابه وجيرانه ويكنب ذلك كله فإذا جاءه بعد أحد هؤلاء الأشخاص يقول له : جارك فلان حي ؟ وأخوك فلان هل ربحت تجارته ؟ وأين عمك .هل أكمل بناء بيته ؟

فيقوم المغربي ويقبل يديه ويظن ذلك من الكشف ..

وكان يعرف كيغ يحمل الكبراء على احترامه .. ولما جاء حسن باشا مصر وذهب إليه كل كبير فيها مسلما ، لم يذهب الشيخ وأرسل من حمل الباشا على زيارته فزاره في داره وخلع الشيخ عليه فروة عظيمة لا تقدر بمال وقدم له حصانا سابقا على سرج مذهب وعباءة ثمنها ألف دينار ، فكان ذلك سببا في علو مكانته عنده حتى أصبحت شفاعته عنده لا ترد ..

*******************

ووقع له حادث عظيم قلب حياته وحوله من حياته الاجتماعية إلتي كان مضرب المثل فيها إلى عزلة وانطواء على نفسه ذلك هو وفاة زوجته التي أحبها حبا عظيما ….

وأغلق عيه بابه واحتجب على الناس وأبى أن يدخل عليه احد ورد الهدايا التي كانت تجيئع ومنه هدية أيةب بك الدفتردار وهدية عظيمة بالغة القيمة من سلطان النغرب .

وقال فيها روائع الشعر … ومنها القصيدة البائية الرائعة ومطلعها:

أعاذل من يرزأ كرزئي لم يزل
كئيبا ويزهد بعده في العواقب

وقوله :

ما خلفت من بعدها في أهلها

غير البكا والحزن والأيتام

وقوله :

مضت فمضت عني بها كل لذة

تقر بها عيناي فانقطعا معا

وقوله :

زبيدة شدت للرحيل مطيها

غداة الثلاثا في غلائها الخضر

تميس كما ماست عروس بدلها

وتخطر تيها في البرانس والأزر

سأبكي عليها ما حييت وإن أمت

ستبكي عظامي والأضالع في القبر

ولست بها مستبقيا فيض عبرة

ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر

ولما جاء الطاعون سنة 1250 هـ وكان خارجا من صلاة الجمعة ، طعن فحمل إلى داره …

مضى ولكنه خلف أكثر من خمسين مصنف حسبه أن يكون منها :

شرح إحياء علوم الدين ..

وتاج العروس في شرح القاموس …..

علي طنطاوي

Series Navigation<< الملك الحليم مظفر بن محمودقراقوش المفترى عليه >>
الوسوم:, , ,