أبو دلامة

هو الشاعر المشهور أبو دلامة ولا تقولو أقصد لا يقل بعض المتنطعين منكم وما أبو دلامة والحديث عن أعلام الإسلام (كان اسم البرنامج الذي أذيعت فيه هذه الحلقة اعلام الإسلام ) فإن الأعلام كل رجل كان له في التاريخ ذكر وكل امرأة كان لها في الحياة أثر ..اتحدث عن الأخيار لتقتدوا بهم وعن الأشرار لتعتبروا منهم ……………

كان أبو دلامة كما يقول الخطيب البغدادي شاعرا مطبوعا كثير النوادر في العشعر وكان صاحب بديهة يداخل الشعراء ويزاحمهم في جميع فنونهم وينفرد في وصف الشراب والرياض .

وزاد ابو الفرج …كان فاسد الدين رديء المذهب وكان الذي روج له عند الخلفاء السفاح والمنصور والمهدي وجعله يتمكن عنده ولا سيما المنصور ويأخذ منه على بخله جزيل العطايا هو صراحته وخفة روحه وحضور بديهته وسرعة جوابه على بلاغته ومتانة شعره .

وكان يضحك الخلفاء حتى في المواطن التي لا يسوغ في مثلها الضحك ..

ماتت حمادة بنت عيسى زوجة المنصور وخرج الخليفة ووجوه القواد وكبار الرجال في جنازتها فما وقفوا على القبر قال المنصور لأبي دلامة يعظه ويذكره: ماذا أعددت لهذه الحفرة يا أبا دلامة ؟وأشار إلى القبر…

قال : حمادة بنت عيسى زوجة أمير المؤمنين.

فضحك اللمنصور وكل من حضر وقال : فضحتنا قبحك الله .

وخرج مع المهدي وعلي بن سليمان مرة إلى الصيد فرمى المهدي غزالا فأصابه ورمى علي فأخطأ وأصاب سهمه كلبا من كلاب الصيد …فقال أبو دلامة على البديهة

قد رمى المهدي ظبيا

شك بالسهم فؤاده

وعلي بن سليمان

رمى كلبا فصاده

فهنيئــــا لهما

كل امرئ يأكل زاده

فضحك المهدي وأجازه ..

وكان ينطلق لاستدرار عطايا الخلفاء ، دخل مرة على السفاح فقال:

سلني حاجتك……قال : كلب صيد

قال : ويلك أهذه حاجتك ..كلب ؟ قال : نعم .

قال : أعطوه إياه.

قال : يا أمير المؤمنين كيف ألحق به ، أأعدوا على رجلي ؟

قال : أعطوه فرساً ….قال : فمن يخدم الفرس؟

فأمر له بغلام ..

قال : فإن صدت صيدا فمن يطبخه ؟

فأمر له بجارية ….. فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء يبيتون على الطريق..

فأمر له بدار …قال يا أمير المؤمنين : قد صيرت في رقبتي جملة من العيال …فمن ينفق عليهم …؟ فأعطاه مالا وقال هل بقيت لك حاجة . قال نعم …تدعني أقبل يديك .قال : أما هذه فلا…..

قال : ما منعتني حاجة أهون علي منها

قال الجاحظ فانظر إلى حذقه في المسألة ولطفه فيها ..بدأ بكلب صيد وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة حتى نال ما لو سأله ابتداءا ما وصل إليه

وولدت له بنت فغدا إلى المنصور وقال …. : يا أمير المؤمنين إنه ولد لي الليلة بنت …قال وما تريد ؟ قال أريد أن يعينني عليها أمير المؤمنين وأنشده:

ولو كان يقعد فوق الشمس من كرم

قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس

ثم ارتقوا في شعاع الشمس إن لكم

مجدا تليدا وأنتم أفضل الناس

قال : فهل قلت في ابنتك شيئا ..فأنشد على الفور

فما ولدتك مريم بنت عيسى

ولا رباك لقمان الحكيم

ولكن قد تضمك أم سوء

إلى لباتها وأب لئيم

قال : فماذا تحب أن أعينك ؟

قال بملء هذه .. وأخرج خرقة بين أصابعه

قال المنصور املؤها له …فلما فتحوها إذا هي كيس من القماش الرقيق وسعت أربعة آلاف درهم

ولما رجع المهدي من الري دخل عليه أبو دلامة وأنشده :

إني نذرت لئن رأيتك سالما

بقرى العراق وأنت ذو وفر

لتصلين على النبي محمد

ولتملأن دراهما حجري

فقال : صلى الله على النبي محمد ….أما الدراهم فلا ..

قال : أنمت أكرم من أن تفرق بينهما ثم تختار أسهلهما …

فأمر أن يملأ حضنه دراهم ….
ومن حسن تخلصه أنه دخل مرة على المهدي وعنده جلة القوم ووجوه بني هاشم . فقال له المهدي ليضحك منه : أحلف لئن لم تهج أحدا من المجلس لأضربنك ضربا مبرحا ..فجعل ينظر في وجوه القوم فكلما نظر إلى واحد غمزه أن يعطيه فما كان منه إلا أن هجت نفسه فقال :

ألا أبلغ لديك أبا دلامة

فليس من الكرام ولا كرامة

إذا نزع العمامة كان قردا

وخنزيرا إذا لبس العمامة

فإن تك قد أصبت نعيم دنيا

فلا تفرح فقد دنت القيامة

فضحك القوم ولم يبق احد إلا اجازه…

ومن طرائفه أنه دخل على المهدي وهو يبكي ….قال : مالك : قال : ماتت اليوم أم دلامة… وأنشده يقول :

وكنا كزوج من القطا في مفازة

لدى خفض عيش ناعم مونق رغد

فأفردني ربيب الزمان بفقده

ولم أر شيءا قط أقبح من فرد

فأمر له بثياب وطيب وأموال …وخرج فدخلت أم دلامة على الخيزران تبكي وأعلمتها أن أبا دلامة قد مات فحزنت وأعطتها مالا ..

فلما دخل المهدي على الخيزران قالت …قد مات أبو دلامة …قال : بل أم دلامة التي ماتت..

قالت وكيف وقد كانت عندي ..قال بل هو الذي كان عندي .

وعرفا الحيلة وضحكا..

وكان جبانا يفر من القتال ويحتال لذلك شتى الحيل واضطر مرة للخروج مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الخوارج … فكانت القصة من أعجب القصص ….. فيها حل لهذه المشكلة التي استعصت على الحلول ….. مشكلة الحرب.

كان قريبا من الأمير في المعركة ، فغلب عليه ما ركب في نفسه من الطمع

فقال للأمير : أما والله لو تحتي فرسك وفي يدي سلاحك لفعلت في العدو الأفاعيل …فضحك الأمير وقال : والله لأدفعن إليك ذلك ولآخذنك بالوفاء بشرطك ونزل عن فرسه وأعطاه سلاحه. ودفعهما إله دفعا ، فلما زالت عنه حلاوة الطمع قال يا أيها الأمير :

هذا مقام العائذ بك وقد قلت بيتين فاسمعهما :

قال : هات .

قال :

إني استجرتك أن أقدم في الوغى

لتطاعن وتنازل وضراب

فهب السيوف رأيتها مشهورة

فتركتها ومضيت في الهراب .

قال الأمير : لتيرن ما أصنع بك إن هربت ….. وبرز فارس من الخوارج وطلب بطلا يبارزه … فأخرج له أبا دلامة …… قال أبو دلامة : فلما رايت منه الجد . قلت : أيها الأمير

فإنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا فأمر لي برغيفين ودجاجة محمرة فأنا والله جائع ما شبعت من الجوع ، فأمر له به وقال : وبشيء من الحلوى وفاكهة . . . فأخذته وبرزت عن الصف ، فلما رآني الخارجي ، أقبل علي وسيفه في يده وعيناه تقدان وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل وأصابته الشمس فانفتل فكان كأنه الوحش ….

فقلت : على مهلك يا هذا ، قف نتكلم ، فتوقف ، ثم أكمل : هل تقاتل من لا يقاتلك …؟

قال : لا …قلت : أتقتل رجلا على دينك ؟ . . . قال : لا

قلت : فلماذا تقاتل ؟ . . . قال : اذهب إلى لعنة الله .

قلت : لا أفعل حتى تسمع مني ….. قال : قل

قلت : هل بيني وبينك عداوة قط .أو ثأر أو تعرفني بحال تغضبك علي أو تعلم بين أهلي وأهلك ثأرا ؟ قال : لا والله . . . قلت : ولا أنا والله .. وانا أدين بدينك وأريد السوء لمن أراده لك . . .

قال : يا هذا . جزاك الله خيرا . فانصرف .

قلت . . . إن معي زادا أحب أن آكله معك . . وأريد مؤاكلتك لتتأكد المودة بيننا ويرى اهل العسكر هوانهم علينا . .قال : فافعل .

فنزلنا عن افراسنا وقعدنا على الأرض ناكل والعسكران قد ماتا من الضحك . . .

فلما استوفينا ودعني … فقلت إن هذا الجاهل يعني الأمير إن قمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني فانصرف راشدا . . . فانصرف

علي طنطاوي

كن أول من يعلق على موضوع "أبو دلامة"

أترك لنا تعليقك فرأيك يهمنا

لن نقوم بنشر بريدك الالكتروني.


*